يا أهل الصحراء.. علّتنا فينا! حين تتحول “الشكامة” و”البركاكة” إلى وسيلة للتقرب من المسؤولين

بقلم محمد فاضل حمنة

ليست كل الأخطار التي تهدد تماسك المجتمعات تأتي من خارجها، فبعضها، وللأسف، يولد من داخلها، ومن بين أبناء جلدتنا وأبناء عمومتنا، حين يختار البعض طريق الوشاية الكاذبة ونقل الأخبار المغلوطة إلى المسؤولين، بحثاً عن التقرب منهم أو تحقيق منفعة دنيوية عابرة.
وهو ما يصطلح عليه بالحسانية ب”الشكّامة” و درجة “البركاكة”، حين يتحول نقل الكلام والتبليغ عن الناس إلى مهنة غير معلنة، هدفها كسب ود المسؤول أو لفت انتباهه، ولو كان ذلك على حساب كرامة الآخرين وسمعتهم ومصالحهم.
المؤلم في الأمر أن تتحول العلاقة بين أبناء المنطقة الواحدة، أو بين أبناء العمومة، إلى مجال للتنافس غير الشريف، فيسعى البعض إلى تشويه صورة أخيه أو جاره أو ابن قبيلته أمام مسؤول، لا خدمةً للوطن ولا دفاعاً عن المصلحة العامة، وإنما بدافع الحسد أو البغضاء أو الرغبة في إسقاط الآخر والاستفادة من ذلك ظرفياً.
والأشد إيلاماً أن بعض المسؤولين من شمال المملكة، ممن احتكوا بهذه الممارسات، أصبحوا يلاحظون بأنفسهم أن بعض ما ينقل إليهم عن أبناء المنطقة لا يعدو أن يكون وشايات ومعلومات مضخمة أو كاذبة، وأن الغاية منها ليست حماية المصلحة العامة، وإنما تصفية حسابات شخصية وتحقيق مكاسب خاصة.
بل إن بعض هؤلاء المسؤولين، بحسب ما يلاحظ من تعاملاتهم، أصبحوا يميزون بين من يقدم معلومة بدافع المسؤولية والغيرة على المصلحة العامة، وبين من يمارس “الشكامة” و”البركاكة” بهدف التقرب وإرضاء المسؤول، حتى ولو كان الثمن هو الإساءة إلى ابن جلدته أو ابن عمه.
فالاختلاف في الرأي مشروع، والانتقاد البناء حق، والتبليغ عن اختلالات حقيقية واجب عندما يتعلق الأمر بالمصلحة العامة، لكن أن يتحول الكذب والافتراء والتشهير إلى وسيلة للتقرب من المسؤولين، فذلك سلوك لا يخدم لا الوطن ولا المجتمع، بل يزرع العداوة ويهدم الثقة بين الناس.
والأخطر من ذلك أن صاحب الوشاية قد ينسى أن المسؤول الذي يسعى اليوم إلى التقرب منه قد لا يبقى في منصبه غداً، وأن المنفعة التي حصل عليها قد تزول، أما أثر الظلم والافتراء فيبقى، وأن ما يلفظه الإنسان ليس كلاماً عابراً بلا حساب، قال الله تعالى: ﴿ما يلفظ من قول إلا لديه رقيب عتيد﴾.
إن المسؤول الواعي لا ينبغي أن يبني مواقفه على الوشايات، ولا أن يجعل من ناقلي الأخبار الكاذبة مصدراً وحيداً للمعلومة، بل عليه أن يتحرى ويتثبت ويسمع من جميع الأطراف، لأن قبول الوشاية دون تحقق قد يجعل المسؤول نفسه، من حيث لا يقصد، أداة في يد من يريد الإساءة إلى الآخرين.
وإذا كان البعض يعتقد أن تشويه أخيه سيمنحه مكانة أعلى، أو أن إسقاط ابن جلدته سيقربه من أصحاب القرار، فإنه واهم؛ فالأوطان لا تبنى بالحسد، والمجتمعات لا تتقدم بالوشاية، والنجاح الحقيقي لا يحتاج إلى هدم الآخرين.
وقد يكون من المؤسف أن يتحول بعض أبناء المنطقة إلى أدوات في يد هذه العقلية، فينقلون الكلام ويضخمون الوقائع ويقدمون التأويلات على أنها حقائق، وكل ذلك من أجل أن يقال عنهم إنهم “مخبرون” أو “مقربون” أو أصحاب نفوذ، بينما الحقيقة أنهم لا يقدمون خدمة للوطن، وإنما يساهمون في خلق جو من عدم الثقة والريبة بين المسؤول والمواطن.
ولعل أصدق ما يمكن أن يقال في هذا السياق هو المثل القديم الذي يلخص واقعاً مؤلماً: “علّتنا فينا”.
نعم، قد تكون العلة فينا حين نبحث عن إسقاط بعضنا البعض بدل مساندة بعضنا، وحين يصبح القرب من المسؤول أهم من صلة الرحم، وحين تتحول الكلمة إلى سلاح، والوشاية إلى وسيلة للارتقاء، و”الشكامة” و”البركاكة” إلى طريق مختصر نحو المصالح الشخصية، وننسى أن الدنيا زائلة، وأن الإنسان سيقف يوماً أمام من لا تخفى عليه خافية.
فليكن الاختلاف شريفاً، والنصيحة صادقة، والانتقاد مسؤولاً، والكلمة محسوبة، ولنتذكر دائماً أن خدمة الوطن لا تكون بالكذب على أبناء الوطن، وأن التقرب من المسؤولين لا ينبغي أن يكون على حساب كرامة الآخرين وسمعتهم وحقوقهم.
فمن أراد خدمة بلده فليقل الحقيقة، ومن أراد نصح المسؤول فليقدم له المعلومة الصحيحة، ومن أراد التقرب فليتقرب بالعمل والصدق والكفاءة، لا بالوشاية والتشهير ونقل الكلام.
فالمسؤول قد ينسى من نقل إليه الكلام، لكن الله لا ينسى كلمة قيلت ظلماً، ولا حقاً أُهدر، ولا سمعة شُوّهت.

تعليقات الزوار
جاري تحميل التعاليق...

شاهد أيضا

يستخدم هذا الموقع ملفات تعريف الارتباط لتحسين تجربتك. سنفترض أنك موافق على هذا ، ولكن يمكنك إلغاء الاشتراك إذا كنت ترغب في ذلك. موافقالمزيد