الوجه السياسي في الصحراء أم الكائن السياسي؟ حين يتغير اللون السياسي بين عشية وضحاها

صوت الصحراء: القسم السياسي

في خضم النقاش الدائر حول واقع الممارسة السياسية بالصحراء، يطرح سؤال نفسه بإلحاح: من يستحق فعلاً صفة “وجه سياسي” بالصحراء؟ وما الفرق بينها وبين صفة “الكائن السياسي”؟

قد يبدو السؤال في ظاهره مجرد تلاعب بالمصطلحات، لكنه في العمق يلامس جوهر المشهد السياسي بالصحراء، ويفتح الباب أمام قراءة نقدية لواقع أصبحت فيه الألقاب والصفات السياسية تُمنح أحياناً دون رصيد حقيقي من الممارسة أو المواقف أو الإنجازات.

فالوجه السياسي بالصحراء لا تصنعه كثرة الظهور في المناسبات، ولا عدد الصور واللقاءات، ولا حجم شبكة العلاقات، ولا القدرة على الحشد. وإنما يُفترض أن يكون صاحب مسار سياسي واضح، ومواقف معلنة، وحضور مؤثر، وقدرة على التواصل مع المواطنين والدفاع عن قناعاته وتحمل مسؤولية مواقفه.

أما “الكائن السياسي”، في التعبير النقدي، فهو شخص قد يجعل من السياسة مجالاً دائماً للتموقع والبحث عن النفوذ والمصالح، فيتحرك وفق موازين القوة والظروف، ويبدل مواقفه وتحالفاته كلما تغيرت المعادلات، دون أن يكون بالضرورة حاملاً لمشروع سياسي واضح أو تصور حقيقي لخدمة المواطنين.

وتزداد الصورة وضوحاً عندما يصبح تغيير اللون السياسي أمراً يمكن أن يحدث بين عشية وضحاها، وكأن الانتماء الحزبي مجرد قميص يمكن خلعه وارتداؤه بحسب المرحلة والظرف والمصلحة. فمن كان بالأمس يدافع بشراسة عن حزب أو تيار سياسي، قد يظهر في اليوم التالي في صف سياسي آخر، وبالخطاب نفسه والحماس نفسه، وكأن شيئاً لم يكن.

ولا يتعلق الأمر هنا بحق أي مواطن أو سياسي في اختيار الحزب الذي يقتنع بمشروعه، فهذا حق سياسي مشروع، وإنما يتعلق بالسؤال عن ثبات المواقف والمبادئ، وعن الأسباب الحقيقية وراء الانتقال المفاجئ من لون سياسي إلى آخر، خصوصاً عندما يحدث ذلك دون تقديم تفسير مقنع للرأي العام.

وهنا تكمن المفارقة في المشهد السياسي بالصحراء؛ إذ أصبح من الممكن في بعض الحالات أن يتحول الحضور الإعلامي، والقدرة على جمع الأشخاص، والإنفاق الانتخابي، والعلاقات والنفوذ إلى معايير لتقديم شخص ما باعتباره “وجهاً سياسياً”، في وقت يتم فيه تجاهل معايير أكثر أهمية، من قبيل الكفاءة والنزاهة والاستقلالية والقدرة على إنتاج الأفكار والدفاع عن المصلحة العامة.

والسؤال الأكثر إزعاجاً هو: هل نحن أمام وجوه سياسية حقيقية بالصحراء، أم أمام أشخاص يجيدون فقط ممارسة المتوقع  السياسي ؟

وهل يمكن أن نطلق صفة “وجه سياسي” على شخص يغير موقعه السياسي كلما تغيرت موازين القوة، أو ينتقل من حزب إلى آخر بحثاً عن موقع انتخابي أفضل، ثم يعيد تقديم نفسه للجمهور باعتباره صاحب تجربة ومشروع ومواقف؟

فالسياسة، في معناها النبيل، ليست مجرد بحث عن موقع أو منصب، وليست سباقاً نحو المقاعد والامتيازات، وإنما مسؤولية ومواقف ومشروع والتزام تجاه المجتمع. ومن لا يملك مشروعاً أو موقفاً واضحاً، قد يكون حاضراً في السياسة، لكنه لا يصبح بالضرورة وجهاً سياسياً.

ولعل الجواب عن هذا السؤال يساعد على فهم جانب من المشهد السياسي المبتذل والمقزز بالصحراء، حيث تختلط المبادئ بالمصالح، والمواقف بالحسابات، والعمل السياسي بالاستعراض، حتى أصبح من الصعب أحياناً التمييز بين من دخل السياسة لخدمة الشأن العام، ومن جعل السياسة وسيلة لإعادة إنتاج نفوذه ومصالحه.

والأخطر من ذلك أن بعض الممارسات تساهم في إفراغ الانتماء الحزبي من مضمونه، حين يصبح الحزب مجرد محطة انتخابية، وتصبح الألوان السياسية قابلة للتغيير السريع، بينما يبقى المواطن مطالباً بتصديق خطابات جديدة ومتكررة من الأشخاص أنفسهم.

إن السياسة لا تُقاس بعدد الأحزاب التي مر بها السياسي، ولا بعدد المرات التي ظهر فيها في الصفوف الأمامية، ولا بعدد الصور التي تجمعه بهذا المسؤول أو ذاك، وإنما تُقاس بما تركه من أثر، وبمدى التزامه بمواقفه، وبقدرته على تقديم إجابات حقيقية عن انتظارات المواطنين.

وفي نهاية المطاف، يبقى الحكم الحقيقي بيد الزمن والمواطنين؛ فـالوجه السياسي بالصحراء تصنعه المواقف والإنجازات والثقة والتراكم، بينما قد تصنع الظروف “الكائن السياسي” وتمنحه حضوراً مؤقتاً سرعان ما ينكشف عندما تتغير موازين القوة.

وهنا تحديداً تبدأ مسؤولية المواطن والإعلام والفاعلين السياسيين: أن يتوقفوا عن صناعة الأوهام السياسية، وأن يميزوا بين من يملك مشروعاً ورؤية وموقفاً، ومن يملك فقط القدرة على الوصول إلى مواقع القرار.

فليس كل من مارس السياسة وجهاً سياسياً، وليس كل من امتلك القدرة على الحشد صاحب مشروع، وليس كل من غير لونه السياسي بين عشية وضحاها قد غير قناعته السياسية.

وفي الصحراء، كما في باقي مناطق المغرب، يبقى السؤال الحقيقي ليس: إلى أي حزب ينتمي هذا الشخص اليوم؟ بل: ماذا كان يقول بالأمس؟ وماذا فعل؟ وماذا سيقول غداً عندما تتغير موازين السياسة؟

تعليقات الزوار
جاري تحميل التعاليق...

شاهد أيضا

يستخدم هذا الموقع ملفات تعريف الارتباط لتحسين تجربتك. سنفترض أنك موافق على هذا ، ولكن يمكنك إلغاء الاشتراك إذا كنت ترغب في ذلك. موافقالمزيد