صوت الصحراء :القسم السياسي
يشكل اعتماد البرلمان الإسباني لقانون يمنح الجنسية للصحراويين المولودين في الأقاليم الصحراوية التي كانت تحتلها إسبانيا قبل سنة 1976، وأبنائهم وأحفادهم، محطة دالة في إعادة فتح ملف ظل لسنوات جزءاً من إرث الفترة الاستعمارية. ويكشف هذا التحرك، الذي حظي بإجماع غير مألوف داخل المؤسسة التشريعية الإسبانية، عن تحوّل أعمق في نظرة جزء معتبر من النخبة السياسية الإسبانية نحو مسؤولياتها التاريخية في المنطقة، خصوصاً في ظل تنامي النقاش الداخلي حول ما يسمى بسياسات الذاكرة والتصالح مع الماضي.
ورغم أن الدوافع المعلنة للقانون ذات طابع إنساني وقانوني، فإن السياق السياسي الذي صدر فيه لا يمكن فصله عن التحولات التي تعرفها إسبانيا في علاقتها بملف الصحراء منذ سنة 2022، حين أعلنت دعماً صريحاً للمقاربة القائمة على الحكم الذاتي. وفي الوقت الذي حرصت فيه الحكومة على التأكيد بأن القانون الجديد لا يمس الثوابت الدبلوماسية الإسبانية، فإن صدوره في هذا التوقيت بالذات يثير أسئلة بشأن التوازنات التي تحاول مدريد الحفاظ عليها بين توجهات البرلمان الداخلية ومتطلبات شراكتها الاستراتيجية مع الرباط.
وتشير تحليلات مؤسسات إسبانية مستقلة إلى أن هذا التشريع يعكس رغبة فئات واسعة داخل البرلمان في تصفية الملفات المتبقية من مرحلة نهاية الاستعمار، على غرار التجارب التي أرستها قوانين الذاكرة التاريخية خلال السنوات الأخيرة. كما أن المقارنة مع حالات مشابهة، مثل منح الجنسية لأحفاد اليهود السفارديم، توضح أن الدولة الإسبانية باتت ترى في هذه المقاربات أحد أدوات ترميم صورتها التاريخية وتعزيز حضورها الأخلاقي في ملفات حساسة.
ويمثل القانون أيضاً انعكاساً لتنافس خفي بين مراكز القوى السياسية داخل إسبانيا. فبينما وجد فيه جزء من اليسار والكتل القومية فرصة لتأكيد خطاب يرتكز على “تصحيح أخطاء الماضي”، تبنته مجموعات أخرى باعتباره خطوة ذات كلفة دبلوماسية محدودة، ما دامت لا تتعارض مع الموقف الرسمي الداعم للمسار الأممي. أما الاعتراضات التي صدرت عن بعض الأحزاب فقد بقيت محصورة في الجوانب القانونية والإجرائية، ولم تتحول إلى قوة مانعة داخل البرلمان، وهو ما يفسّر انتقال المقترح بسهولة إلى مرحلة الصياغة النهائية.
وإذا كان البعد القانوني للمشروع يفتح الباب أمام تسوية وضعية آلاف الأشخاص الذين تشتتت مساراتهم القانونية بعد سنة 1976، فإن البعد السياسي لا يقل أهمية. فإسبانيا، التي تسعى منذ سنوات إلى تحسين موقعها الإقليمي بعد أزمات دبلوماسية متكررة، تدرك أن أي خطوة ذات صلة بتاريخ وجودها في الصحراء يجب أن تتم دون المساس بعلاقاتها الحيوية مع المغرب أو إثارة توترات لا تخدم مصالحها الاقتصادية والأمنية. ولهذا حرصت الحكومة على تأطير القانون باعتباره “شأناً داخلياً ذا بعد إنساني”، مع التأكيد في الوقت ذاته على دعم قرارات مجلس الأمن، خاصة القرار 2797، بوصفه الإطار المرجعي لتسوية النزاع.
ويبدو أن التحدي الأكبر يكمن في المرحلة المقبلة، حيث سيتم الانتقال من الإطار التشريعي إلى الإطار التنظيمي. وستكون إسبانيا مطالَبة بوضع آليات دقيقة للتحقق من الوثائق والولادات التي تعود إلى حقبة الاحتلال، في ظل ضياع جزء من الأرشيف أو تشتته بين إدارات متعددة. وستُظهر تفاصيل هذه المرحلة مدى قدرة مدريد على تنفيذ القانون دون توظيف سياسي، ودون فتح الباب أمام تأويلات قد تُلقي بظلالها على توازنات حساسة في المنطقة.
وبهذا المعنى، فإن القانون الجديد لا يكتسب أهميته فقط من محتواه، بل من كونه مؤشراً على الطريقة التي تعيد بها إسبانيا قراءة تاريخها وحدود مسؤولياتها، وعلى محاولتها ملاءمة هذه القراءة مع شبكة علاقاتها الإقليمية. إنه تشريع يفتح الباب أمام تسوية قانونية لفئة محددة، لكنه في الوقت ذاته يعيد إنتاج سؤال أشمل: كيف يمكن لدولة استعمرت جزءاً من شمال إفريقيا أن تُنهي فصول الماضي من دون أن تفتح الباب أمام توترات جديدة أو تحولات غير محسوبة في موازين المنطقة