تجسيداً لانخراط الفاعلين القضائيين بالداخلة في تنزيل الإصلاحات القانونية التي يشهدها المغرب، احتضنت المحكمة الابتدائية صباح يوم الثلاثاء 29 يوليوز 2025 مائدة مستديرة خصصت لبحث وتدارس مقتضيات القانون رقم 43.22 المتعلق بالعقوبات البديلة، الذي يُرتقب أن يشكل منعطفاً هاماً في مسار العدالة الجنائية الوطنية.
اللقاء، الذي جرى تنظيمه بتنسيق بين رئاسة المحكمة ونيابة الملك، عرف حضور نخبة من القضاة وأطر النيابة العامة، إلى جانب ممثل نقيب هيئة المحامين، ومسؤولين عن الأمن الوطني والدرك الملكي، ما يعكس المقاربة التشاركية التي تتبناها مؤسسات العدالة في التعاطي مع هذا الورش التشريعي الجديد.
وقد أكد رئيس المحكمة الابتدائية في كلمته الافتتاحية على ضرورة توحيد الجهود لإنجاح تفعيل هذا القانون، مشيداً بالدليل العملي الصادر عن المجلس الأعلى للسلطة القضائية، والذي اعتبره خارطة طريق واضحة لتطبيق العقوبات البديلة بشكل عملي وفعال. كما نوه بمبادرة وكيل الملك في تنظيم هذا اللقاء الذي اعتبره لحظة مفصلية لفتح نقاش مؤسساتي جاد حول آليات التنزيل الواقعي لهذا التحول القانوني.
من جهته، شدد السيد وكيل الملك على أن هذا اللقاء العلمي يأتي تجاوباً مع دورية رئاسة النيابة العامة الصادرة في دجنبر 2024، والتي دعت إلى تعبئة النيابات العامة واستثمار الفترة التحضيرية السابقة لدخول القانون حيز التنفيذ في تنظيم نقاشات تشاركية تهم محتوى النص القانوني، وتوقع العقبات المحتملة أثناء التنزيل.
وأكد على أن العقوبات البديلة لا تهدف فقط إلى تقليص الاكتظاظ السجني، بل تعتبر مدخلاً لتكريس فلسفة العدالة التصالحية وإعادة الإدماج، عبر توفير بدائل مثل العمل لفائدة المصلحة العامة أو المراقبة القضائية، تضع المخالف أمام مسؤولياته دون إبعاده قسراً عن محيطه الاجتماعي والأسري.
وقد تميزت أشغال هذا اللقاء بتقديم خمس مداخلات علمية قاربت الموضوع من زوايا متعددة، سواء من حيث المقتضيات القانونية أو الإمكانيات الواقعية للتطبيق. وساهم في تأطيرها قاضي تطبيق العقوبة، وقاضي الحكم، وقاضيان من النيابة العامة، بالإضافة إلى ممثل هيئة المحامين، حيث طرحت تساؤلات عملية تتعلق بكيفية التفعيل، وتأهيل المؤسسات، والتنسيق مع الفاعلين المحليين.
هذا اللقاء شكل مناسبة كذلك لرصد التحديات المرتبطة بالعنصر البشري، والموارد اللوجستية، والتكوين المهني الذي سيُطلب من الأطراف الموكول إليها تنفيذ هذه العقوبات، خصوصاً في الجهات البعيدة أو ذات الإمكانيات المحدودة.
وفي ختام المائدة العلمية، صيغت مجموعة من التوصيات ركزت على أهمية التكوين المستمر، ووضع دلائل إجرائية موحدة، وتكثيف التنسيق بين النيابة العامة والسلطات المحلية والجماعات الترابية، باعتبارها شريكة أساسية في احتضان وتنفيذ بعض أنواع العقوبات البديلة.
يُذكر أن اعتماد العقوبات البديلة يأتي ضمن مسار إصلاحي أشمل يسعى المغرب من خلاله إلى تعزيز نجاعة المنظومة القضائية، وترسيخ البعد الإنساني في التعاطي مع الجريمة، خصوصاً تلك المرتكبة لأول مرة أو ذات الطابع غير العنيف، بما يتماشى مع المعايير الدولية الحديثة في مجال العدالة الجنائية.