الصيد البحري يرتقي إلى وزارة منتدبة في حكومة المنصوري.. تغيير في التسمية ورهان على تعزيز تدبير القطاع

صوت الصحراء – الرباط

حمل الإعلان عن تشكيلة الحكومة الجديدة، التي ترأس جلالة الملك محمد السادس مراسم تعيين أعضائها يوم الجمعة 16 أكتوبر 2026 بالقصر الملكي بالرباط، مستجداً يهم قطاع الصيد البحري، تمثل في إسناد تدبيره إلى وزارة منتدبة، في إطار وزارة الفلاحة والصيد البحري والسيادة الغذائية، بدل الصيغة السابقة التي كان فيها القطاع ضمن اختصاصات كتابة الدولة المكلفة بالصيد البحري.

وبموجب التشكيلة الحكومية الجديدة، عُيّن أحمد المهدي المزواري وزيراً منتدباً لدى وزير الفلاحة والصيد البحري والسيادة الغذائية، مكلفاً بالصيد البحري، فيما أسندت حقيبة الفلاحة والصيد البحري والسيادة الغذائية إلى خالد الحاتمي. ويعكس هذا الترتيب اعتماد صيغة تنظيمية جديدة لتدبير القطاع، تقوم على إسناد مسؤولية الصيد البحري إلى عضو في الحكومة برتبة وزير منتدب، مع استمرار ارتباطه بالوزارة الأم.

ويكتسي هذا التغيير أهمية خاصة بالنظر إلى المكانة الاقتصادية والاجتماعية التي يحتلها الصيد البحري في المغرب، باعتباره قطاعاً يرتبط بالأمن الغذائي، والتشغيل، والتصدير، والاستثمار، فضلاً عن دوره في تنشيط الاقتصاد بالمناطق الساحلية، وفي مقدمتها الأقاليم الجنوبية.

من كتابة دولة إلى وزارة منتدبة.. ما الذي تغير؟

لا يقتصر المستجد على تغيير التسمية من كاتب دولة إلى وزير منتدب، بل يطرح تساؤلات حول طبيعة الاختصاصات التي ستُسند إلى المسؤول الجديد، ومدى انعكاس الصيغة الحكومية الجديدة على تدبير الملفات المهنية والتنظيمية والاستثمارية المرتبطة بالصيد البحري.

ومن الناحية المؤسساتية، فإن الوزارة المنتدبة تظل مرتبطة بالوزارة التي أُلحقت بها، ولا يعني تغيير الصفة الوزارية، في حد ذاته، إحداث وزارة مستقلة أو نقل جميع الاختصاصات إلى المسؤول الجديد. وتظل طبيعة الصلاحيات الفعلية رهينة بالتنظيم الحكومي والاختصاصات التي ستُحدد رسمياً.

غير أن هذه الصيغة قد تتيح، بحسب طبيعة التفويض الممنوح، تركيزاً أكبر على قضايا الصيد البحري، وتعزيز التنسيق مع المهنيين والمؤسسات المعنية، فضلاً عن منح الملفات القطاعية حضوراً أوضح داخل العمل الحكومي.

ملفات ثقيلة تنتظر المسؤول الجديد

يأتي هذا التغيير في وقت يواجه فيه قطاع الصيد البحري مجموعة من التحديات التي تتطلب معالجة متوازنة تجمع بين المحافظة على الثروة السمكية، وضمان استدامة الموارد البحرية، وتحسين ظروف اشتغال المهنيين، وتعزيز مردودية الأنشطة المرتبطة بالصيد والتسويق والتثمين.

ويتصدر تدبير المخزونات السمكية وتنظيم مواسم الصيد وفترات الراحة البيولوجية قائمة الملفات الأساسية، بالنظر إلى ارتباطها المباشر بالتوازن بين الاستغلال الاقتصادي للموارد البحرية وحماية تجددها. كما تظل مراقبة احترام القوانين المنظمة للصيد، ومحاربة الصيد غير القانوني، وتعزيز التتبع والمراقبة، من بين الأوراش التي تفرض نفسها على المسؤولين عن القطاع.

ويبرز أيضاً ملف الصيد التقليدي، بالنظر إلى أهميته الاجتماعية والاقتصادية في عدد من الموانئ والقرى الساحلية، وما يرتبط به من مطالب تتعلق بتجهيز البنيات التحتية، والسلامة البحرية، وظروف العمل، والتسويق، وتحسين دخل البحارة.

أما الصيد الساحلي والصيد في أعالي البحار، فيطرحان بدورهما قضايا مرتبطة بتدبير الحصص، وتطوير أساليب التثمين، وتحسين القيمة المضافة للمنتجات البحرية، فضلاً عن تشجيع الاستثمار في الصناعات المرتبطة بالتحويل والتبريد والتخزين والتصدير.

وتبقى العلاقة بين الإدارة والمهنيين عنصراً حاسماً في تدبير هذه الملفات، خصوصاً في ظل الحاجة إلى تعزيز الحوار القطاعي، وتوضيح القرارات التنظيمية، وضمان تكافؤ الفرص في الاستفادة من الموارد البحرية، وفق القوانين الجاري بها العمل.

الداخلة والأقاليم الجنوبية في قلب الرهانات

يحظى هذا التحول باهتمام خاص في جهة الداخلة وادي الذهب، التي يشكل الصيد البحري أحد الأعمدة الأساسية لنسيجها الاقتصادي، إلى جانب الأنشطة الصناعية والخدماتية والاستثمارية المرتبطة بالمنتجات البحرية.

فالرهان بالنسبة إلى المنطقة لا يتعلق فقط باستمرار النشاط البحري، بل أيضاً بمدى قدرة السياسات القطاعية على خلق قيمة مضافة محلية، وتوسيع فرص الشغل، ودعم المقاولات العاملة في مجال الصيد والتثمين، وتحقيق التوازن بين مصالح المستثمرين والمهنيين والبحارة.

وتظل قضايا تدبير الموارد السمكية، وتنظيم الحصص، ومواكبة وحدات الصيد التقليدي والساحلي، وتطوير البنيات المرتبطة بالتسويق والتثمين، من الملفات التي تهم الفاعلين الاقتصاديين والمهنيين بالجهة.

كما أن الرهانات المرتبطة بالاستدامة البيئية تكتسي أهمية متزايدة، في ظل ضرورة الحفاظ على الثروة البحرية وضمان استمرارية النشاط الاقتصادي للأجيال المقبلة. وهو ما يجعل التنسيق بين الإدارة المركزية والمصالح الخارجية والمؤسسات العلمية والهيئات المهنية عنصراً أساسياً في إعداد القرارات وتنفيذها.

ومن هذا المنطلق، سيكون أداء الوزارة المنتدبة الجديدة محل اهتمام مهني بالداخلة وباقي الموانئ الجنوبية، بالنظر إلى تأثير القرارات المتخذة مركزياً على النشاط البحري والاستثمار وفرص الشغل.

تغيير في الهيكلة واختبار للنتائج

يأتي إسناد قطاع الصيد البحري إلى وزارة منتدبة ضمن هندسة حكومية جديدة أعادت توزيع عدد من الحقائب والاختصاصات. غير أن تقييم أثر هذا التغيير سيظل مرتبطاً بما ستسفر عنه المرحلة المقبلة من إجراءات عملية، ومدى وضوح الاختصاصات، وفعالية التنسيق بين الوزارة المنتدبة والوزارة الأم وباقي المؤسسات المعنية.

فالقطاع يحتاج إلى مقاربة تتجاوز التغيير الشكلي في التسميات، نحو تعزيز الحكامة، وتحسين التواصل مع المهنيين، وتسريع معالجة الملفات العالقة، وربط القرارات التنظيمية بالمعطيات العلمية والاقتصادية، مع مراعاة خصوصية كل نشاط بحري وكل منطقة ساحلية.

كما أن نجاح الصيغة الجديدة يقتضي وضوح المسؤوليات، وتحديد الأولويات، وتوفير آليات فعالة للتتبع والتقييم، بما يسمح بقياس أثر السياسات العمومية على استدامة الموارد البحرية، وتنافسية المقاولات، وظروف اشتغال البحارة.

وفي المحصلة، فإن انتقال تدبير الصيد البحري من كتابة دولة إلى وزارة منتدبة يمثل تحولاً في التمثيل الحكومي للقطاع، لكنه لا يكفي وحده للحكم على حجم التغيير المنتظر. فالمعيار الأساسي سيظل مرتبطاً بمدى قدرة المسؤول الجديد على تحويل هذه الصيغة المؤسساتية إلى نتائج ملموسة، تستجيب لتطلعات المهنيين، وتحافظ على الثروة البحرية، وتعزز مساهمة القطاع في التنمية الاقتصادية والاجتماعية، ولا سيما في الأقاليم الجنوبية.

تعليقات الزوار
جاري تحميل التعاليق...

شاهد أيضا

يستخدم هذا الموقع ملفات تعريف الارتباط لتحسين تجربتك. سنفترض أنك موافق على هذا ، ولكن يمكنك إلغاء الاشتراك إذا كنت ترغب في ذلك. موافقالمزيد