انتهاء مهام المينورسو يفتح النقاش حول مستقبل شيوخ تحديد الهوية وإمكانية تفعيل دور المجلس الملكي الاستشاري للشؤون الصحراوية
صوت الصحراء:القسم السياسي
يفتح التطور المرتبط بانتهاء ولاية بعثة الأمم المتحدة للاستفتاء في الصحراء (المينورسو) الباب أمام مرحلة جديدة من النقاش السياسي والمؤسساتي بشأن مستقبل تدبير ملف الصحراء المغربية، ليس فقط على مستوى المسار الدبلوماسي، وإنما أيضاً على مستوى المؤسسات والآليات التي ارتبطت بهذا الملف على امتداد عقود.
ومن بين القضايا التي تستحق إعادة النظر، مستقبل شيوخ تحديد الهوية الذين ارتبطت مهامهم بالمسلسل الأممي الخاص بتحديد هوية الأشخاص المؤهلين للمشاركة في الاستفتاء، ومدى استمرار الحاجة إلى الأدوار التي اضطلعوا بها بعد انتهاء المهمة التي ارتبطت بها هذه الوظيفة تاريخياً.
فشيوخ تحديد الهوية شكلوا جزءاً من آلية أممية استثنائية فرضتها طبيعة النزاع آنذاك، وكانت مهمتهم مرتبطة أساساً بالتحقق من المعطيات القبلية والاجتماعية والأنساب، في سياق إعداد لوائح تحديد الهوية. واليوم، ومع التحولات التي يعرفها الملف، يبرز سؤال مشروع حول ما إذا كانت المرحلة المقبلة تستدعي الانتقال من منطق الآليات المرتبطة بالمسار الأممي إلى منطق المؤسسات الوطنية القادرة على مواكبة التحولات الاجتماعية والسياسية والتنموية.
وفي هذا السياق، يعود المجلس الملكي الاستشاري للشؤون الصحراوية، المعروف اختصاراً بـ”الكوركاس”، إلى واجهة النقاش باعتباره مؤسسة أحدثت سنة 2006، وكان من المفترض أن تشكل إطاراً استشارياً يساهم في الدفاع عن الوحدة الترابية، والترافع عن قضايا الأقاليم الجنوبية، والمساهمة في التنمية الاقتصادية والاجتماعية، فضلاً عن مواكبة قضايا الهوية والمصالحة والاندماج.
لقد مرت سنوات طويلة على تأسيس المجلس، ولا يزال السؤال مطروحاً بشأن حجم الأدوار التي يمكن أن يضطلع بها في المرحلة المقبلة، ومدى قدرته على التحول إلى مؤسسة فاعلة في مواكبة التحولات التي تعرفها الصحراء ، خصوصاً في ظل النقاش المتجدد حول تنزيل الحكم الذاتي تحت السيادة المغربية، وتعزيز المشاركة المحلية في تدبير الشؤون العامة.
إن تفعيل الكوركاس لا ينبغي أن يظل مجرد فكرة مرتبطة بالظرفية السياسية، بل يمكن أن يشكل مناسبة لإعادة تقييم تركيبته واختصاصاته وطرق اشتغاله، بما يسمح بتجديد النخب وفتح المجال أمام الكفاءات الشابة والمنتخبين والفعاليات الاقتصادية والاجتماعية، إلى جانب الأعيان والوجوه القبلية التي راكمت تجربة في تدبير قضايا المنطقة.
فالأقاليم الجنوبية لم تعد هي نفسها التي كانت قبل عقدين من الزمن. فقد عرفت الداخلة والعيون وبوجدور والسمارة وأوسرد تحولات عمرانية واقتصادية واجتماعية، وبرز جيل جديد من الأطر والكفاءات والفاعلين الذين يتطلعون إلى المشاركة الفعلية في صناعة القرار المحلي، وليس الاكتفاء بأدوار استشارية محدودة.
ومن هذا المنطلق، فإن إعادة الاعتبار للكوركاس تقتضي أن يكون المجلس قريباً من المواطنين، وأن يتحول إلى فضاء حقيقي للاستماع إلى انشغالاتهم، واستقبال مقترحاتهم، ورفع تصورات عملية بشأن قضايا التشغيل والسكن والصحة والتعليم والتنمية، فضلاً عن الملفات المرتبطة بالهوية والمصالحة الوطنية.
ولا يمكن فصل هذا النقاش عن ملف أبناء الأقاليم الجنوبية الموجودين بمخيمات تندوف، حيث تظل العودة الطوعية وإعادة الاندماج من القضايا التي تحتاج إلى مقاربة إنسانية ووطنية واضحة، قوامها فتح صفحة جديدة، وتوفير الضمانات القانونية والاجتماعية والاقتصادية، والتفكير في آليات للعفو والتسوية في إطار القانون، بما يساعد على لم شمل العائلات وتجاوز آثار سنوات النزاع.
إن المصالحة الحقيقية لا تتحقق بالشعارات وحدها، بل تحتاج إلى إرادة سياسية ومؤسسات قادرة على احتضان الجميع، وإلى استعداد لتجاوز الحسابات القديمة، وإشراك مختلف مكونات المجتمع الصحراوي في بناء المستقبل.
ومن هنا، يبرز سؤال آخر لا يقل أهمية: هل ستشهد المرحلة المقبلة مراجعة فعلية للأدوار التي ظلت مرتبطة ببعض الوجوه والآليات التقليدية، والانتقال إلى تمثيلية أكثر اتساعاً وتنوعاً، تعكس التحولات التي عرفتها المنطقة وتستجيب لتطلعات سكانها؟
إن انتهاء ولاية المينورسو لا يعني، من الناحية القانونية، انتهاء صفة شيوخ تحديد الهوية بقرار تلقائي، كما لا يعني أن الكوركاس أصبح بديلاً مؤسساتياً عنها. لكن التطورات الأخيرة تتيح فرصة لفتح نقاش جدي حول مستقبل هذه الأدوار، ومدى الحاجة إلى إعادة ترتيب البيت المؤسساتي بما يتلاءم مع طبيعة المرحلة الجديدة.
فالرهان اليوم لا ينبغي أن ينحصر في من سيخلف من، أو أي مؤسسة ستأخذ مكان أخرى، وإنما في كيفية الانتقال إلى مرحلة يكون فيها أبناء الأقاليم الصحراوية أكثر حضوراً في تدبير شؤونهم، وأكثر مشاركة في تحديد أولويات التنمية، ضمن المؤسسات الدستورية للمملكة.
وربما تكون اللحظة الراهنة مناسبة لطرح سؤال سياسي ومجتمعي واضح: إذا كانت مرحلة تحديد الهوية قد ارتبطت بمسار أممي استمر لعقود، أفليس من الضروري أن تفتح المرحلة المقبلة المجال أمام تفعيل المؤسسات الوطنية، وفي مقدمتها الكوركاس، لتكون جزءاً من مشروع المصالحة والعودة والاندماج والتنمية؟
إن المستقبل يحتاج إلى مؤسسات متجددة، ونخب قادرة على التواصل مع المواطنين، وإرادة حقيقية لطي صفحات الماضي، حتى تتحول الصحراء من مجال ارتبط طويلاً بالنزاع إلى فضاء للمشاركة والاستقرار والتنمية والمصالحة الوطنية.