مهنيّو الصيد في أعالي البحار يطالبون بتشديد الرقابة على مصيدة الأخطبوط ووضع حد للاختلالات خلال فترة الراحة البيولوجية

صوت الصحراء

عاد ملف تدبير مصيدة الأخطبوط بالمياه الجنوبية للمملكة إلى واجهة النقاش المهني، في ظل تصاعد المطالب الرامية إلى ضمان احترام فترة الراحة البيولوجية، وتشديد المراقبة على مختلف أنشطة الصيد، بما يحول دون استنزاف المخزون السمكي ويضمن تكافؤ الفرص بين مكونات الأسطول البحري.

وخلال أشغال الدورة العادية لغرفة الصيد البحري الأطلسية الوسطى، المنعقدة يوم الخميس بأكادير، عبرت جهات مهنية محسوبة على أسطول الصيد في أعالي البحار عن قلقها إزاء ما وصفته بوجود مؤشرات تستدعي التدقيق في مدى الالتزام الفعلي بالتدابير التنظيمية المرتبطة بالراحة البيولوجية للأخطبوط، معتبرة أن نجاح هذا الإجراء لا يرتبط بمجرد الإعلان عن توقيف النشاط، وإنما بمدى القدرة على فرض احترامه ميدانياً، ومراقبة جميع حلقات سلسلة الإنتاج والتسويق.

وأوضحت المداخلات المهنية أن استمرار تداول معطيات بشأن أنشطة صيد يشتبه في عدم توافقها مع فترة التوقف يطرح تساؤلات حول فعالية منظومة المراقبة، ومدى شموليتها لمختلف أصناف الأسطول ونقط التفريغ والتسويق. كما دعت إلى التعامل مع هذه المؤشرات بالجدية اللازمة، من خلال التحقق من المعطيات المتداولة وترتيب المسؤوليات عند ثبوت أي تجاوز.

وتوقفت هذه المواقف عند الوضع الذي عرفته المصيدة الجنوبية خلال الفترة الانتخابية، والذي وصفه بعض المهنيين بالفوضى والارتباك في تدبير عدد من الأنشطة المرتبطة بالصيد، مطالبين بالكشف عن ظروف حدوث الاختلالات المحتملة، وتحديد مدى قيام الجهات المعنية بأدوارها في مراقبة النشاط البحري وضمان التقيد بالقوانين الجاري بها العمل.

ومن بين النقاط التي أثارت اهتمام المهنيين استمرار النشاط التجاري ببعض وحدات التجميد بأكادير، واستقبالها منتوجات رخوية قادمة من الأقاليم الجنوبية، وهو ما أعاد إلى الواجهة إشكالية التحقق من مصدر المصطادات، ومدى احترامها للضوابط القانونية خلال فترة الراحة البيولوجية. ويعتبر مهنيون أن مراقبة عمليات التفريغ والتخزين والتحويل والتسويق لا تقل أهمية عن مراقبة السفن في عرض البحر، بالنظر إلى أن أي خلل في هذه الحلقات قد يفتح المجال أمام تسويق منتجات مجهولة المصدر أو غير مستوفية للشروط القانونية.

وتكتسي هذه المطالب أهمية خاصة بالنظر إلى الطبيعة الحساسة لمصيدة الأخطبوط، باعتبارها مورداً اقتصادياً أساسياً لعدد من المقاولات البحرية والأنشطة المرتبطة بها، فضلاً عن دورها في توفير فرص الشغل وتحريك الدورة الاقتصادية بالموانئ الجنوبية. فالراحة البيولوجية ليست مجرد إجراء إداري لتوقيف نشاط الصيد، بل تدبير علمي وتنظيمي يستهدف منح المخزون السمكي الوقت الكافي للتجدد، والحفاظ على التوازن البيئي والاقتصادي للمصيدة.

وفي هذا الإطار، يرى مهنيون أن استمرار التفاوت في مستوى الالتزام بين مكونات الأسطول من شأنه تقويض الثقة في التدابير التنظيمية، خصوصاً عندما تتحمل مقاولات وسفن تبعات التوقف والامتثال للقانون، بينما تتداول الأوساط المهنية معطيات عن استفادة أطراف أخرى من أنشطة تثير شبهات بشأن قانونيتها. وهو ما يطرح، بحسب هذه المواقف، ضرورة إرساء مراقبة موحدة لا تستثني أي فئة أو نشاط، ضماناً لمبدأ المنافسة الشريفة والعدالة المهنية.

ولم تقتصر التحذيرات على الجانب المرتبط بحماية الثروة البحرية، بل امتدت إلى الوضعية الاقتصادية التي تواجهها شركات الصيد في أعالي البحار، حيث لا تزال بعض المقاولات تعاني صعوبات في تسويق مصطادات الموسم الربيعي، بفعل تراجع الأسعار واختلال التوازن بين العرض والطلب، وما يرافق ذلك من أعباء مرتبطة بالتخزين والتجميد والتدبير المالي.

كما أثار مهنيون إشكالية ما وصفوه بتنامي قنوات السوق غير المهيكلة، التي قد تسمح بتداول منتجات بحرية خارج المسارات التجارية والقانونية المعتادة، بما يخلق منافسة غير متكافئة مع الشركات الملتزمة بالضوابط، ويؤثر على شفافية المعاملات وقيمة المنتوج المغربي في الأسواق الخارجية. وتستدعي هذه الوضعية، وفق التصور المهني، تعزيز مراقبة مسار المنتوجات البحرية منذ لحظة اصطيادها إلى غاية وصولها إلى المستهلك أو الأسواق الدولية.

وفي مواجهة هذه التحديات، تتجه المطالب نحو مراجعة أساليب المراقبة المعتمدة، والانتقال إلى منظومة رقمية متكاملة تتيح تتبع المصطادات والتحقق من مصدرها وكمياتها وتواريخ تفريغها وتخزينها وتسويقها، مع تعزيز التنسيق بين مصالح المراقبة البحرية والموانئ وإدارات الصيد البحري والجمارك والجهات المختصة بمراقبة الوحدات الصناعية.

كما يبرز في هذا السياق مطلب اعتماد آليات تكنولوجية حديثة، من بينها الكاميرات الذكية على متن سفن الصيد، وأنظمة التتبع الإلكتروني، وتبادل المعطيات المتعلقة بالتصاريح والكميات المصطادة وعمليات التفريغ، بما يحد من إمكانية التحايل ويجعل المراقبة أكثر دقة ونجاعة. وهي إجراءات من شأنها أيضاً توفير معطيات موثوقة تساعد على تقييم وضعية المصيدة واتخاذ القرارات التنظيمية على أسس علمية.

ومن جانب آخر، شدد مهنيون على ضرورة ربط أي إصلاح لمنظومة الصيد البحري بتطبيق القانون على جميع الفاعلين دون استثناء، وتحريك المساطر القانونية في حق كل من تثبت مخالفته، مع ضمان حقوق الدفاع والتحقق من الوقائع قبل ترتيب المسؤوليات. كما دعوا إلى نشر معطيات دورية حول نتائج عمليات المراقبة والمخالفات المسجلة، بما يعزز الشفافية ويعيد الثقة بين الإدارة والمهنيين.

وفي المقابل، أبدت مكونات من أسطول الصيد في أعالي البحار استعدادها للمساهمة في تطوير آليات الحكامة والمراقبة، والانخراط في الأوراش الرامية إلى تحديث القطاع، بما فيها الاستثمار في التجهيزات التقنية الحديثة واحترام التدابير الرامية إلى حماية الثروة البحرية.

وتعيد هذه المطالب طرح سؤال جوهري يتجاوز حدود فترة الراحة البيولوجية، ويتعلق بمدى قدرة منظومة تدبير المصايد على تحقيق التوازن بين الاستغلال الاقتصادي والحفاظ على الموارد البحرية. فاستدامة قطاع الصيد لا يمكن أن تتحقق بتحميل فئة معينة كلفة التوقف والالتزام، في الوقت الذي تظل فيه مراقبة باقي حلقات النشاط موضع تساؤل.

ويبقى الرهان المطروح أمام الوزارة الوصية هو تحويل هذه المطالب المهنية إلى إجراءات عملية، قوامها مراقبة ميدانية فعالة، وشفافية في تتبع المنتوجات، وتكافؤ في تطبيق القانون، مع الاستناد إلى توصيات المعهد الوطني للبحث في الصيد البحري بشأن وضعية المخزون ومواسم الاستغلال. فحماية مصيدة الأخطبوط مسؤولية مشتركة، لكنها تقتضي قبل كل شيء وضوح القواعد وتطبيقها على الجميع، حتى لا تتحول الراحة البيولوجية من آلية لحماية الثروة البحرية إلى مجرد تدبير تتحمل أعباءه الجهات الأكثر التزاماً.

شاهد أيضا

يستخدم هذا الموقع ملفات تعريف الارتباط لتحسين تجربتك. سنفترض أنك موافق على هذا ، ولكن يمكنك إلغاء الاشتراك إذا كنت ترغب في ذلك. موافقالمزيد