صوت الصحراء القسم السياسي
«إن الشعب الذي ينتخب الفاسدين والانتهازيين والمحتالين والناهبين والخونة لا يُعدّ ضحية، بل شريكًا في الجريمة».
قد تكون هذه المقولة متداولة بلا توثيق دقيق، لكنها تختزل بجرأة فكرة صادمة يفضّل كثيرون تجاهلها: أن الفشل السياسي لا يُصنع في مكاتب السلطة وحدها، بل يبدأ أحيانًا من خيارات المجتمع نفسه، أو من صمته، أو من استسلامه المتكرر للأمر الواقع.
في المجتمعات التي تتراكم فيها الأزمات وتتشابه الوجوه الحاكمة رغم تبدّل الشعارات، يصبح من المشروع إعادة طرح سؤال المسؤولية بعيدًا عن منطق الضحية المطلقة. فحين يُمنح الفاسد فرصة جديدة، ويُعاد انتخاب العاجز، ويُكافأ من أساء إدارة الشأن العام، فإن المشكلة تتجاوز حدود السلطة لتلامس عمق الثقافة السياسية السائدة. الاختيار هنا لا يكون بريئًا دائمًا، بل مشروطًا بالخوف، أو العصبية، أو المصالح الآنية، أو حتى باليأس من التغيير.
لا يعني ذلك إنكار دور الأنظمة في التضليل وصناعة الوهم والتحكم بالإعلام والموارد. فالسلطة تملك أدوات واسعة للتأثير والتوجيه. غير أن هذه الأدوات تفقد فعاليتها المطلقة حين يواجهها وعي جمعي ناقد. الخطر الحقيقي يظهر عندما يتحول التبرير إلى سلوك عام، وعندما يُنظر إلى الفساد كأمر طبيعي، وإلى النزاهة كاستثناء غير قابل للحياة. عندها يصبح المجتمع نفسه جزءًا من آلية الحماية غير المعلنة للفشل.
التاريخ السياسي الحديث يبيّن أن الشعوب التي كسرت هذه الحلقة لم تفعل ذلك دفعة واحدة، بل عبر تراكم وعي ومسؤولية ومساءلة. لم تكن تلك الشعوب أكثر قوة أو أقل تعرضًا للضغوط، لكنها كانت أكثر استعدادًا لمراجعة خياراتها، وأقل تسامحًا مع الأخطاء المتكررة، وأكثر قناعة بأن الاستقرار الزائف ليس بديلاً عن العدالة والكفاءة.
إن إدماج هذه المقولة في النقاش العام لا يجب أن يُفهم بوصفه إدانة أخلاقية للشعوب، بل كدعوة صريحة لاستعادة الدور الحقيقي للمواطنة. فالصمت موقف، والتبرير موقف، والاختيار موقف. ومن يشارك في صناعة القرار، يشارك بالضرورة في نتائجه. لذلك، فإن التغيير الشامل لا يبدأ فقط بإزاحة شخصيات فاسدة، بل بإعادة بناء الوعي الذي يرفضها أصلًا، ويمنع عودتها بأسماء جديدة وخطابات مختلفة. هنا فقط، يتحول الشعب من متفرج على الأزمات إلى قوة قادرة على إنهائها