تشهد تونس هذه الأيام حالة غليان شعبي متصاعدة، أعادت إلى الأذهان أجواء الثورة التي أطاحت بنظام بن علي قبل أكثر من عقد. حادث مأساوي في المزونة، إحدى مدن ولاية سيدي بوزيد، أدى إلى مصرع ثلاثة تلاميذ نتيجة انهيار جدار مدرسة متهالك، كان كافيًا لإشعال موجة من الغضب الشعبي، في بلد تتدهور فيه البنية التحتية وتتفاقم الأزمات الاقتصادية والسياسية بشكل مقلق.
ورغم محاولات السلطة لاحتواء الأزمة، خرج المئات في مظاهرات صاخبة، من الجنوب إلى العاصمة تونس، رافعين شعارات الثورة الأولى ومطالبين بإسقاط النظام، ومتهمين الرئيس قيس سعيّد بتحمل مسؤولية تدهور الأوضاع، بعد استفراده بالحكم منذ قراره في 25 يوليوز 2021 بتجميد عمل المؤسسات الدستورية.
الحادث الذي وقع في ثانوية متهالكة بُنيت في الثمانينيات، لم يكن استثناءً، بل عرّى واقع الإهمال والتهميش المزمن الذي تعاني منه مناطق الداخل التونسي. التحذيرات المتكررة من الأهالي لم تجد آذانًا صاغية، إلى أن تحوّلت إلى مأساة إنسانية فجّرت موجة احتجاجات جديدة.
في جنازة التلاميذ الثلاثة، ارتفعت الهتافات التي تجاوزت الألم المحلي إلى احتجاج سياسي واسع: «الشعب يريد إسقاط النظام»، «يا قيس يا دكتاتور»، في مشهد يُعيد إلى الأذهان لحظة الانفجار الأولى في 2011. الحزن سرعان ما تحوّل إلى غضب، والغضب إلى دعوات للتمرد، في ظل غياب أي أفق للإصلاح أو محاسبة جدّية للمسؤولين.
لكن ما زاد من حدة الانتقادات، هو ما اعتبره كثيرون “تواطؤًا إقليميًا” لحماية النظام الحالي في تونس. فوفق مصادر متعددة، بدأت الجزائر، الحليف الاستراتيجي لسعيّد، بتحريك أجهزتها الأمنية لتقديم “الدعم والخبرة” في مواجهة موجة الاحتجاجات، تمامًا كما دعمت نظامه سياسيًا واقتصاديًا منذ انقلاب 2021.
السلطات الجزائرية، التي تواجه بدورها غليانًا داخليًا مكتومًا، تخشى من انتقال عدوى الاحتجاجات إلى أراضيها، خاصة أن المطالب التونسية تلامس القضايا نفسها: التهميش، والقمع، وانهيار مؤسسات الدولة. ومع تصاعد الأصوات المنادية برحيل قيس سعيّد، تخشى الجزائر من فقدان شريك يعتمد عليه في منطقة مضطربة.
إن تونس اليوم ليست فقط على صفيح ساخن، بل تقف أمام مفترق حاسم. الشارع عاد ليتحرّك من جديد، وهذه المرة دون وهم الإصلاح أو انتظار صناديق اقتراع بلا معنى. وإذا استمر تجاهل السلطة لمطالب الناس، فإن “ثورة الياسمين” قد تعود، بنسخة جديدة… أشد وقعًا، وأقل تسامحًا.