بقلم: محمد لمين المهدي
لم تعد الانتخابات بالأقاليم الجنوبية مجرد استحقاق ديمقراطي لتجديد النخب، بل أصبحت تطرح أسئلة عميقة حول نزاهة التنافس، ومصداقية التمثيلية، ومدى قدرة المؤسسات المنتخبة على التعبير الحقيقي عن تطلعات الساكنة.
ومع اقتراب استحقاقات 23 شتنبر 2026، تتزايد المخاوف من اتساع دائرة استعمال المال الانتخابي، وشراء الذمم، وتسخير الإمكانات المالية الكبيرة للتأثير في اختيارات الناخبين. فقد أصبح الحديث عن توظيف المال بشكل مكثف في المشهد الانتخابي بالصحراء يثير قلقاً مشروعاً بشأن تكافؤ الفرص، ومدى احترام إرادة المواطنين. وهي ممارسات، متى ثبتت، لا تمس نزاهة الانتخابات فحسب، بل تهدد الثقة في المؤسسات وتضعف قيمة الاختيار الديمقراطي.
إن شراء الذمم لا يقتصر أثره على يوم الاقتراع، بل يمتد إلى ما بعد إعلان النتائج، حين يجد المواطن نفسه أمام تمثيلية قد لا تعكس بالضرورة كفاءته أو أولوياته أو تطلعاته. كما أن هيمنة المال على التنافس قد تفتح المجال أمام تغليب المصالح الخاصة على المصلحة العامة، وتهميش الكفاءات والطاقات القادرة على تقديم الإضافة الحقيقية للمنطقة.
وتزداد خطورة هذه الظاهرة حين تتداخل الحسابات المالية مع الولاءات القبلية والعائلية، فتتحول المنافسة الانتخابية من سباق حول البرامج والرؤى إلى صراع حول النفوذ والقدرة على الإنفاق. وهنا يبرز السؤال الجوهري: هل نريد مؤسسات تمثل إرادة المواطنين، أم تمثيلية تتحكم فيها القدرة المالية وشبكات المصالح؟
وفي المقابل، تظل مسؤولية التصدي لهذه الممارسات مشتركة بين الجهات المعنية والمجتمع والناخبين، من خلال تعزيز الرقابة، وتطبيق القانون، وترسيخ ثقافة سياسية تجعل الكفاءة والنزاهة وخدمة المواطنين أساساً للاختيار.
كما أن النقاش حول التمثيلية السياسية لأبناء الصحراء داخل المؤسسات، بما فيها الحكومة، ينبغي أن يُفتح بروح المسؤولية والإنصاف، بعيداً عن المزايدات والانقسامات، بهدف تعزيز المشاركة الفعلية والاستجابة لتطلعات الساكنة.
وكما يُنسب إلى سيدي اصلوح الجماني : “نحن الصحراويين بعضنا من بعض”؛ وهي رسالة تؤكد أن وحدة الصف أقوى من الحسابات الفردية، وأن المصلحة الجماعية ينبغي أن تتقدم على المصالح الضيقة. ولعل المثل الحساني “علتنا فينا” يدعونا إلى مراجعة الذات، والاعتراف بأخطائنا، والعمل على إصلاحها بدل الاكتفاء بتبادل الاتهامات.
إن الرهان الحقيقي اليوم هو بناء وعي جماعي يرفض شراء الذمم، ويواجه توظيف المال لإفساد الاختيار الانتخابي، ويمنح الفرصة للكفاءات والنخب النزيهة. كما يقتضي الاستعداد لاستحقاقات المستقبل، بما فيها أفق الحكم الذاتي، برؤية واضحة ومشاركة مسؤولة ووحدة في الصف.
فمستقبل الأقاليم الجنوبية لا ينبغي أن يُرهن بوفرة المال الانتخابي أو صراعات النفوذ، بل بإرادة أبنائها، ونزاهة ممثليهم، وقدرتهم على تقديم المصلحة العامة على كل اعتبار آخر.