لماذا تغيب الكفاءات الصحراوية عن الحكومة؟ صراعات الانتخابات والقبلية تطرح أسئلة صعبة حول مستقبل الأقاليم الجنوبية
صوت الصحراء القسم السياسي
بعد انتخابات 23 شتنبر 2026، يتجدد النقاش حول محدودية الحضور الصحراوي في الحكومة، وطبيعة التنافس بين النخب المحلية، ودور الاعتبارات القبلية في المشهد الانتخابي، وسط دعوات إلى توحيد الصفوف وبناء كفاءات قادرة على تحمل مسؤولية تدبير الأقاليم الجنوبية في أفق الحكم الذاتي.
يثير غياب أبناء الأقاليم الجنوبية عن التشكيلة الحكومية نقاشاً متجدداً حول أسباب محدودية حضور الكفاءات الصحراوية في مراكز القرار التنفيذي، وحول طبيعة العلاقة بين النخب المحلية والأحزاب السياسية، ومدى قدرة هذه النخب على تقديم نموذج سياسي يتجاوز الخلافات الشخصية والحسابات الانتخابية الضيقة.
فهل يتعلق الأمر باختيارات حزبية وحكومية تحكمها اعتبارات متعددة في توزيع المسؤوليات، أم أن جزءاً من الإشكال يرتبط أيضاً بطريقة اشتغال النخب السياسية المحلية، وما يطبع بعض التنافسات بينها من صراعات وتبادل للاتهامات واستحضار للانتماءات القبلية؟
لقد أعادت الانتخابات التشريعية التي جرت يوم 23 شتنبر 2026 طرح هذه الأسئلة بقوة، بعدما شهدت الأقاليم الجنوبية تنافساً سياسياً واسعاً بين الأحزاب والمرشحين، ومشاركة انتخابية مرتفعة مقارنة بالمعدل الوطني. غير أن هذا الحضور الانتخابي اللافت يطرح، في المقابل، سؤالاً جوهرياً حول مدى قدرة النخب السياسية على تحويل المشاركة الشعبية إلى قوة اقتراح وترافع، تضمن تمثيلية فعالة للمنطقة في المؤسسات ومراكز القرار.
إن طرح هذه الأسئلة لا يعني اختزال أبناء الصحراء في صورة واحدة، ولا تعميم الخلافات التي قد تشهدها الساحة السياسية على جميع مكوناتها، وإنما يروم فتح نقاش صريح حول مسؤولية الفاعلين السياسيين في بناء تمثيلية قوية تستند إلى الكفاءة والاستحقاق والقدرة على الترافع عن قضايا المنطقة.
فليس من المعقول أن تتحول الاختلافات السياسية والشخصية إلى عائق أمام بروز كفاءات قادرة على تحمل المسؤولية والمساهمة في تدبير الشأن العام، كما لا ينبغي أن تصبح المنافسة الانتخابية مناسبة لتصفية الحسابات أو إضعاف الخصوم بدل تقديم برامج واقعية تستجيب لانتظارات المواطنين.
انتخابات 23 شتنبر 2026.. مشاركة واسعة وأسئلة مؤجلة
أفرزت الانتخابات التشريعية الأخيرة مؤشرات لافتة بشأن مستوى المشاركة بالأقاليم الجنوبية، حيث بلغت النسبة 77.5 في المائة بجهة العيون الساقية الحمراء، و61 في المائة بجهة الداخلة وادي الذهب، و53.48 في المائة بجهة كلميم واد نون، مقابل 38.08 في المائة على المستوى الوطني.
وتكشف هذه الأرقام عن انخراط انتخابي مهم لساكنة المنطقة، لكنها تفتح في الوقت نفسه باب التساؤل حول طبيعة الخيارات السياسية التي أفرزتها صناديق الاقتراع، ومدى انعكاس هذه المشاركة على تجديد النخب وتطوير الأداء التمثيلي والدفاع عن المطالب التنموية للأقاليم الجنوبية.
فالمشاركة المرتفعة، على أهميتها، ليست غاية في حد ذاتها، بل ينبغي أن تكون مدخلاً إلى ممارسة سياسية أكثر نضجاً، وإلى مؤسسات منتخبة قادرة على الاستجابة لتطلعات المواطنين والترافع عن قضاياهم داخل البرلمان والحكومة ومختلف المؤسسات المعنية.
وقد كشفت الحملات الانتخابية التي سبقت اقتراع 23 شتنبر عن تنافس قوي بين الأحزاب والمرشحين، كما أعادت إلى الواجهة النقاش بشأن حضور الاعتبارات القبلية والاجتماعية في التعبئة الانتخابية، وهي ظاهرة تناولتها قراءات صحفية واكبت الاستحقاقات الأخيرة. وبين التعبئة من أجل المشاركة والتنافس على استمالة الناخبين، يظل التحدي الحقيقي هو ضمان أن تكون البرامج والكفاءة والنزاهة في صلب الاختيار الديمقراطي.
وهنا يبرز السؤال: هل استطاعت هذه الانتخابات أن تفتح المجال أمام خطاب سياسي جديد يتجاوز الحسابات الضيقة، أم أن بعض مظاهر الصراع بين المرشحين ما زالت تعيد إنتاج الإشكالات نفسها التي طبعت استحقاقات سابقة؟
الحملات الانتخابية تكشف أعطاب المشهد السياسي
لقد أعادت الحملات الانتخابية الأخيرة بالأقاليم الجنوبية إلى الواجهة النقاش حول طبيعة الخطاب السياسي الذي اعتمده عدد من المرشحين، بعدما طغت، وفق الانتقادات التي رافقت بعض هذه الحملات، الاتهامات المتبادلة والصراعات بين المتنافسين على حساب النقاش الجاد بشأن التنمية والتشغيل والصحة والتعليم والبنيات التحتية.
كما أثار توظيف الانتماءات القبلية في التنافس الانتخابي تساؤلات بشأن حدود حضور هذه الاعتبارات في تشكيل الاختيارات السياسية، ومدى تأثيرها على مبدأ تكافؤ الفرص بين المرشحين، وعلى قدرة الناخبين على تقييم البرامج والكفاءات بعيداً عن الولاءات الضيقة.
فبدل أن تتحول الحملات الانتخابية إلى فرصة لعرض المشاريع التنموية وتقديم الحلول للمشكلات التي تعاني منها المنطقة، انشغل بعض المتنافسين، بحسب الانتقادات المتداولة، بمواجهة خصومهم وتبادل الاتهامات، في مشهد يثير تساؤلات حول ضعف الخطاب السياسي وقدرته على إقناع الناخبين بمشاريع واضحة للمستقبل.
إن الانتخابات ليست مناسبة لإعادة إنتاج الانقسامات الاجتماعية، وإنما آلية ديمقراطية لاختيار من يمتلك القدرة على الترافع عن مصالح المواطنين وتحويل انتظاراتهم إلى سياسات عمومية ومشاريع تنموية ملموسة.
وحين ينشغل المرشح بمحاربة منافسه أكثر من انشغاله بتقديم برنامجه، يصبح النقاش العمومي عرضة للتراجع، وتتراجع معه فرص محاسبة المنتخبين على أساس حصيلة عملهم ومدى وفائهم بالتزاماتهم.
“نحن الصحراويين بعضنا من بعض”.. رسالة تتجاوز الحسابات الانتخابية
في خضم هذه الأجواء، استحضر متابعون للشأن المحلي تصريحات منسوبة إلى سيدي أصلوح الجماني، تضمنت عبارة “نحن الصحراويين بعضنا من بعض”، وهي عبارة تحمل رسالة تدعو إلى التضامن والتماسك بين أبناء المنطقة، بعيداً عن منطق الخصومة الذي قد تفرضه المنافسة السياسية.
وتكتسب هذه الرسالة أهميتها من كونها تضع الانتماء المشترك والمسؤولية الجماعية في مواجهة النزاعات التي قد تنشأ خلال الاستحقاقات الانتخابية. فالاختلاف في الانتماء الحزبي أو التوجه السياسي لا ينبغي أن يتحول إلى قطيعة اجتماعية، كما أن التنافس على المسؤوليات لا يبرر إضعاف الروابط التي تجمع أبناء المنطقة.
إن الأقاليم الجنوبية، بما تتوفر عليه من كفاءات وطاقات بشرية وتجارب اجتماعية وسياسية متنوعة، تحتاج اليوم إلى خطاب يجمع ولا يفرق، ويشجع على التعاون بدل تكريس الخصومات، ويجعل المصلحة العامة فوق الاعتبارات الشخصية والحسابات الانتخابية العابرة.
غير أن التضامن الحقيقي لا يتحقق بالشعارات وحدها، بل يحتاج إلى ممارسة سياسية مسؤولة، وإلى احترام الاختلاف، والابتعاد عن التشهير والتخوين، والاحتكام إلى البرامج والنتائج والكفاءة في تدبير الشأن العام.
اتهامات شراء الذمم تطرح أسئلة حول نزاهة التنافس
ومن بين القضايا التي رافقت بعض الحملات الانتخابية بالأقاليم الجنوبية، اتهامات متعلقة بشراء الذمم واستعمال المال للتأثير على اختيارات الناخبين، وهي اتهامات أثارت نقاشاً بشأن نزاهة التنافس السياسي، وجرى تداول مواقف وبيانات منسوبة إلى بعض المرشحين بشأنها.
وتظل هذه الادعاءات بحاجة إلى التحقق والتدقيق، ولا يجوز التعامل معها باعتبارها وقائع ثابتة من دون أدلة موثوقة أو قرارات صادرة عن الجهات المختصة. غير أن إثارتها تفتح النقاش حول ضرورة حماية نزاهة العملية الانتخابية، وضمان تكافؤ الفرص، وتعزيز ثقة المواطنين في المؤسسات المنتخبة.
فالتنافس السياسي السليم ينبغي أن يقوم على الإقناع بالبرامج، والالتزام بالقانون، وتقديم مرشحين يمتلكون الكفاءة والنزاهة والقدرة على خدمة المواطنين، لا على استغلال الحاجات الاجتماعية أو توظيف الولاءات الشخصية والقبلية.
كما أن المشاركة الانتخابية المرتفعة لا تكفي وحدها للحكم على جودة الممارسة الديمقراطية؛ إذ تظل طبيعة المشاركة، ومستوى التنافس، ومدى احترام القواعد القانونية، وقدرة المنتخبين على الوفاء بوعودهم، عناصر أساسية في تقييم التجربة الانتخابية.
إن بناء الثقة في المؤسسات يقتضي القطع مع كل ممارسة من شأنها إضعاف إرادة الناخبين، وتكريس ثقافة سياسية تجعل قيمة المرشح مرتبطة بكفاءته وبرنامجه ونزاهته، لا بقدرته على استغلال النفوذ أو توظيف الانتماءات الاجتماعية لتحقيق مكاسب انتخابية.
هل تتحمل النخب المحلية جزءاً من مسؤولية غيابها عن الحكومة؟
إن السؤال المتعلق بغياب الكفاءات الصحراوية عن الحكومة لا يمكن الإجابة عنه من خلال تحميل طرف واحد المسؤولية، كما لا يصح اختزال المسألة في الصراعات القبلية وحدها. فالتشكيلة الحكومية تتأثر باختيارات الأحزاب السياسية، والتحالفات، ومعايير توزيع المسؤوليات، والاعتبارات السياسية والمؤسساتية التي تحكم تشكيل الحكومات.
ومع ذلك، فإن طريقة اشتغال النخب المحلية، وقدرتها على التنسيق فيما بينها، وتقديم كفاءات ذات حضور وطني، تظل عناصر تستحق النقاش والمراجعة.
فحين تتشتت الجهود بين صراعات شخصية وتنافسات لا تنتج قيمة مضافة للمنطقة، تتراجع القدرة على بناء جبهة ترافعية قوية تدافع عن استحقاق الكفاءات المحلية للحضور في مراكز القرار.
ولذلك، فإن المطلوب ليس المطالبة بالتمثيلية الحكومية على أساس الانتماء الجغرافي وحده، وإنما الدفاع عن مبدأ تكافؤ الفرص وإتاحة المجال أمام الكفاءات المنحدرة من الأقاليم الجنوبية، على غرار باقي كفاءات المملكة، لتولي المسؤوليات وفق معايير الاستحقاق والتجربة والنزاهة والقدرة على الإنجاز.
فالحضور في الحكومة ليس غاية في حد ذاته، وإنما وسيلة للمساهمة في صناعة القرار والدفاع عن القضايا التنموية والاجتماعية والاقتصادية للمنطقة. كما أن التمثيلية السياسية الفعالة لا تقاس بعدد المناصب وحده، بل بمدى القدرة على التأثير الإيجابي في السياسات العمومية وتحقيق نتائج ملموسة لفائدة المواطنين.
الحكم الذاتي يحتاج إلى نخب مؤهلة وثقافة سياسية مختلفة
يكتسب هذا النقاش أهمية إضافية في ظل الرهان على مشروع الحكم الذاتي للصحراء، وما يطرحه من أسئلة بشأن متطلبات التدبير المحلي، وتأهيل النخب، وتطوير المؤسسات، وضمان مشاركة المواطنين في صناعة القرار.
فأي نموذج للحكم الذاتي، إذا جرى اعتماده، لن يكون مجرد تغيير في آليات توزيع الاختصاصات، بل سيطرح أيضاً تحديات تتعلق بكيفية اختيار المسؤولين، وتدبير الموارد، ومراقبة الأداء، وضمان التعددية السياسية، وترسيخ مبادئ الحكامة والمساءلة.
ومن ثم، فإن الاستعداد لهذه المرحلة يقتضي الاستثمار في الكفاءات البشرية، وإعداد أطر قادرة على التدبير والتخطيط والتفاوض، وتطوير ثقافة سياسية تجعل معيار المسؤولية هو القدرة على الإنجاز وخدمة الصالح العام.
فليس من المنطقي أن ننتظر مرحلة الحكم الذاتي، ثم نبدأ البحث عن التوافقات والكفاءات وآليات تدبير الاختلاف. إن بناء الإنسان وتأهيل النخب السياسية والإدارية وتطوير ثقافة المشاركة والمسؤولية يجب أن يبدأ منذ الآن، حتى تكون المنطقة مستعدة للاستفادة من أي توسع في صلاحيات التدبير المحلي.
كما أن نجاح أي تجربة للحكم الذاتي يقتضي وجود مؤسسات قوية، ونخب مؤهلة، وتنافس سياسي مسؤول، وآليات شفافة لاختيار المسؤولين ومحاسبتهم. ولا يمكن أن تتحقق هذه الشروط في مناخ تطغى عليه الخصومات الشخصية أو الولاءات الضيقة على حساب الكفاءة والمصلحة العامة.
ولا يصح، في المقابل، افتراض أن أبناء الصحراء عاجزون عن تجاوز خلافاتهم أو غير مؤهلين لتحمل المسؤولية. فالكفاءات موجودة في مختلف المجالات، والتحدي الحقيقي يتمثل في إتاحة الفرص أمامها، وبناء آليات شفافة لاختيارها، وتشجيعها على العمل المشترك بدل استنزاف طاقاتها في الصراعات.
“علتنا فينا”.. نقد الذات مدخل إلى الإصلاح
يختصر المثل الحساني “علتنا فينا” دعوة إلى مراجعة الذات وعدم الاكتفاء بإلقاء المسؤولية على الآخرين. ويمكن استحضار هذه الحكمة في النقاش الدائر حول المشهد السياسي بالأقاليم الجنوبية، من دون أن يعني ذلك إعفاء الأحزاب أو المؤسسات المعنية من مسؤولياتها في اختيار المرشحين وتوزيع المسؤوليات وإتاحة الفرص أمام الكفاءات.
فالإصلاح يبدأ بالاعتراف بمكامن الخلل، سواء تعلق الأمر بطريقة تدبير المنافسة الانتخابية، أو توظيف الانتماءات القبلية، أو ضعف البرامج، أو غياب التنسيق بين الفاعلين المحليين. كما يقتضي التمييز بين النقد المسؤول الذي يروم تصحيح المسار، والخطاب الذي يعمم الاتهامات ويعمق الانقسام.
إن القبيلة مكون من مكونات النسيج الاجتماعي الصحراوي، ولها امتداداتها التاريخية والثقافية، لكن الإشكال يظهر حين تتحول الروابط الاجتماعية إلى معيار حاسم في توزيع المسؤوليات أو توجيه الاختيارات السياسية على حساب الكفاءة والاستحقاق.
فليس المطلوب إلغاء الروابط الاجتماعية أو التنكر للهوية المحلية، وإنما منع توظيفها في تكريس الإقصاء أو تغليب المصالح الضيقة على المصلحة العامة. كما أن الانتماء القبلي لا ينبغي أن يكون موضع اتهام في حد ذاته، بل يجب أن يظل الاختيار السياسي حقاً فردياً يمارسه المواطن وفق قناعته ومصالحه وتقييمه للبرامج والمرشحين.
إن أبناء الصحراء ليسوا كتلة سياسية واحدة، ولا تتحكم في مواقفهم جميعاً الاعتبارات نفسها. ولذلك، فإن تجاوز الاختلالات يتطلب فتح المجال أمام التعددية والاختلاف، وتشجيع المبادرات المشتركة، وتقديم المصلحة العامة على الحسابات الشخصية.
توحيد الصفوف ضرورة لبناء مستقبل زاهر للأقاليم الجنوبية
إن المرحلة الراهنة تقتضي الانتقال من منطق الصراع إلى منطق البناء، ومن التنافس الذي يستنزف الطاقات إلى التعاون الذي يفتح آفاقاً جديدة أمام المنطقة. فالأقاليم الجنوبية في حاجة إلى نخب سياسية واجتماعية واقتصادية تتجاوز الخلافات الظرفية، وتعمل على بلورة رؤية مشتركة لمستقبل التنمية والتمثيلية والتدبير المحلي.
وتوحيد الصفوف لا يعني إلغاء التعددية السياسية أو مطالبة الجميع بتبني المواقف نفسها، بل يعني الاتفاق على قواعد مشتركة تحمي المصلحة العامة، وتحترم الاختلاف، وتمنع تحول المنافسة إلى عداوة دائمة بين أبناء المنطقة.
كما يقتضي هذا التوجه فتح المجال أمام الشباب والكفاءات الجامعية والأطر الإدارية والاقتصادية والفعاليات المدنية، وتشجيعها على الانخراط في الحياة العامة، بعيداً عن منطق الولاءات الضيقة. فمستقبل المنطقة لا ينبغي أن يظل رهين أسماء تتكرر في المشهد السياسي، وإنما يجب أن يقوم على تجديد النخب وإتاحة الفرص أمام الطاقات القادرة على تقديم الإضافة.
وفي أفق الحكم الذاتي، تزداد الحاجة إلى بناء توافقات واسعة حول الأولويات التنموية، وتعزيز ثقافة الحوار والتعاون، وتكوين أطر قادرة على تدبير المؤسسات والموارد بكفاءة وشفافية. فالمستقبل يتطلب استعداداً عملياً ومسؤولاً، لا مجرد شعارات ترفع خلال الحملات الانتخابية ثم تختفي بانتهائها.
إن توحيد الصفوف اليوم هو استثمار في الغد، والاستعداد للحكم الذاتي يبدأ بتأهيل الإنسان، وتطوير الممارسة السياسية، وترسيخ مبدأ المسؤولية والمحاسبة، وتقديم الكفاءة على الولاء الضيق، والمصلحة العامة على الحسابات الشخصية.
الكفاءة والاستحقاق بدل الولاء الضيق
إن السؤال الذي ينبغي أن يتصدر النقاش اليوم ليس فقط لماذا غابت أسماء صحراوية عن الحكومة، بل أيضاً كيف يمكن بناء مسار سياسي يسمح بوصول الكفاءات إلى مواقع المسؤولية، سواء على المستوى الحكومي أو المحلي، وفق معايير واضحة تتعلق بالتجربة والنزاهة والقدرة على الإنجاز.
فالأقاليم الجنوبية تزخر بطاقات بشرية وخبرات في مجالات متعددة، ومن حقها أن ترى كفاءاتها تشارك بفعالية في المؤسسات الوطنية، وأن تتاح لها فرص متكافئة لتولي المسؤوليات والمساهمة في صناعة القرار.
غير أن بلوغ هذا الهدف يتطلب من الأحزاب السياسية تطوير آليات اختيار مرشحيها، ومن النخب المحلية تجاوز الصراعات التي لا تخدم التنمية، ومن المؤسسات المعنية اعتماد معايير واضحة وشفافة في إسناد المسؤوليات.
إن ما أفرزته انتخابات 23 شتنبر 2026 ينبغي أن يشكل مناسبة لمراجعة الممارسة السياسية، واستخلاص الدروس من الحملات الانتخابية، وتقييم مستوى الخطاب والبرامج ومدى احترام قواعد التنافس النزيه. كما ينبغي أن يكون مدخلاً لإطلاق نقاش جاد حول مستقبل التمثيلية الصحراوية، بعيداً عن الاتهامات غير المثبتة والأحكام العامة.
الخلاصة أن مستقبل الأقاليم الجنوبية لا يمكن أن يبنى على الخصومات الانتخابية أو الولاءات الضيقة، وإنما على الكفاءة والاستحقاق والتضامن واحترام الاختلاف. فالتنافس السياسي حق مشروع، لكنه يفقد معناه حين يتحول إلى وسيلة لإضعاف الآخرين بدل التنافس على خدمة المواطنين.
وبين ضرورة مراجعة الذات ومطالبة المؤسسات بتحمل مسؤولياتها، تظل الأولوية لبناء نخب مؤهلة قادرة على تحويل طاقات المنطقة وكفاءاتها إلى قوة اقتراح وتدبير وتنمية.
إن انتظار الحكم الذاتي لا ينبغي أن يكون انتظاراً سلبياً، بل فرصة للاستعداد والتأهيل وتوحيد الجهود حول مشروع تنموي ومؤسساتي يخدم الأجيال الحالية والمقبلة. فالمستقبل الزاهر للأقاليم الجنوبية لن تصنعه الشعارات وحدها، وإنما تصنعه الكفاءات، والعمل المشترك، ونزاهة الممارسة السياسية، والقدرة على تجاوز الخلافات حين يتعلق الأمر بالمصلحة العامة.
فبدل أن يظل أبناء الصحراء منشغلين بمحاربة بعضهم بعضاً، حان الوقت لتوحيد الصفوف، وتقديم الكفاءات، وترسيخ ثقافة التوافق، حتى تكون المنطقة مستعدة لتحمل مسؤولياتها كاملة، والمساهمة في بناء مستقبل زاهر في أفق الحكم الذاتي.