تاريخ الصيد البحري المغربي: بين الذاكرة الميدانية والإنصاف التاريخي

بقلم: عبد الحي غفغوف
عضو المكتب التنفيذي للنقابة الوطنية للتجار والمهنيين.
عضو السكرتارية الوطنية للتجار والحرفيين للاتحاد الاشتراكي للقوات الشعبية.

إن قراءة تاريخ قطاع الصيد البحري المغربي تقتضي التحلي بالإنصاف والموضوعية، والابتعاد عن اختزال مساره في سردية واحدة، سواء تعلق الأمر بالصيد الساحلي أو صيد أعالي البحار أو الصيد التقليدي.

فتاريخ هذا القطاع هو حصيلة تفاعل محطات سياسية ومؤسساتية واقتصادية ومهنية متعددة، ساهمت جميعها، بدرجات متفاوتة، في تشكيل واقعه الحالي.

وانطلاقاً من النقاش الذي أثاره مقال الصديق عبد الخالق الجيخ، المعروف على صفحته باسم «أبو سعيد»، والمعنون بـ«صيد أعالي البحار والصيد الصناعي: بين السردية السيادية وحقائق التاريخ الميداني»، أرى أن تعميق النقاش يقتضي استحضار بعض المحطات التاريخية التي لا يمكن تجاوزها عند تقييم مسار إصلاح القطاع.

ومن أبرز هذه المحطات تجربة حكومة التناوب التوافقي خلال الفترة الممتدة بين 1998 و2002، التي شهدت توجهاً نحو إصلاح وتحديث قطاع الصيد البحري، والانتقال تدريجياً من التدبير التقليدي للمصايد إلى مقاربة أكثر تنظيماً، تقوم على التشاور مع المهنيين، وضبط مجهود الصيد، وحماية الثروة السمكية، وتحقيق التوازن بين مختلف مكونات الأسطول.

وكان من أبرز تجليات هذا التوجه:

(ميثاق الصيد البحري): باعتباره محطة للحوار والتشاور حول مستقبل القطاع وتوجهاته.

(الإطار التشريعي لسنة 2001): الذي شكل مرحلة مهمة في تطوير القواعد المنظمة للصيد البحري وتربية الأحياء المائية.

(مخطط تهيئة مصيدة الأخطبوط سنة 2001): الذي شكل تحولاً في تدبير المصايد، من خلال اعتماد نظام تحديد سقف المصطادات وتوزيع الحصص بين مختلف أنماط الصيد.

وفي هذا السياق، تجدر الإشارة إلى أن مشروع مخطط تهيئة مصيدة الأخطبوط أُعد سنة 2000 وعُرض على المهنيين، قبل الشروع في تنفيذه ابتداءً من ماي 2001. واعتمد سقفاً إجمالياً أولياً بلغ 88 ألف طن، موزعاً على ثلاثة أنماط من الصيد: 45 ألف طن لصيد أعالي البحار، و33 ألف طن للصيد التقليدي، و10 آلاف طن للصيد الساحلي.

وقد شكل هذا الاختيار خطوة مهمة في اتجاه تدبير المصايد على أساس الحصص، غير أن المخطط عرف مراجعات لاحقة، من أبرزها مراجعة سنة 2004، التي أدخلت تنظيماً جديداً للمواسم وفترات التوقف البيولوجي.

وهنا تبرز نقطة أساسية تستحق التوضيح: هناك فرق بين تاريخ إطلاق ورش الإصلاح سنة 2001، وبين الاختيارات والتعديلات التي عرفها لاحقاً، خصوصاً سنة 2004. فالإنصاف التاريخي يقتضي عدم الخلط بين المرحلتين، كما يقتضي فتح النقاش حول آثار توزيع الحصص ومدى تحقيقه للإنصاف والتوازن بين مختلف مكونات الأسطول.

إن استحضار هذه المحطات لا يعني الانتصار لسردية ضد الصيد في أعالي البحار أو ضد الصيد الساحلي، ولا التقليل من تضحيات البحارة أو استثمارات مجهزي السفن والتجار والمهنيين، وإنما يعني أن تاريخ القطاع ملك لجميع أبنائه، وأن كل مرحلة ينبغي أن تُقرأ بما لها وما عليها.

فالسيادة البحرية لا تُقاس فقط بحجم الأساطيل أو طبيعة الاستثمارات، بل كذلك بمدى حماية الثروة السمكية، واحترام حقوق المهنيين، وخلق فرص الشغل، وتوزيع القيمة المضافة، وضمان استفادة المناطق الساحلية من ثرواتها البحرية.

إن الرهان اليوم ليس البحث عمن ينتصر في معركة الماضي، بل استخلاص الدروس من التجارب السابقة لبناء سياسة بحرية وطنية أكثر عدلاً وتوازناً، تعترف بمساهمة جميع الفاعلين، وتحمي الثروة السمكية، وتضمن تكافؤ الفرص بين مختلف أنماط الصيد.

ومن هذا المنطلق، أعتقد أن الوقت قد حان لفتح نقاش وطني مسؤول حول إعداد مدونة للصيد البحري، تستوعب التحولات التي عرفها القطاع، وتوحد إطاره القانوني والمؤسساتي، وتؤسس لعلاقة أكثر وضوحاً وتوازناً بين الإدارة والمهنيين، من البحر إلى المستهلك.

فتاريخ القطاع لا يُبنى بإقصاء الذاكرة، ولا بتغليب رواية على أخرى، وإنما بالاعتراف بمجهودات الجميع وتصحيح الاختلالات من أجل المستقبل.

كل التقدير لكل الشهادات الحية، وكل الاحترام لرجال البحر الذين ساهموا في صناعة تاريخ الصيد البحري المغربي.

شاهد أيضا

يستخدم هذا الموقع ملفات تعريف الارتباط لتحسين تجربتك. سنفترض أنك موافق على هذا ، ولكن يمكنك إلغاء الاشتراك إذا كنت ترغب في ذلك. موافقالمزيد