صوت الصحراء
يفتح انتهاء ولاية بعثة الأمم المتحدة للاستفتاء في الصحراء (المينورسو)، وما رافقه من تطورات على مستوى مجلس الأمن الدولي، نقاشاً جديداً حول مستقبل تدبير الأقاليم الصحراوية، وطبيعة المرحلة المقبلة، في ظل تطلعات عدد من أبناء المنطقة إلى الانتقال نحو مرحلة جديدة قوامها تعزيز التدبير المحلي، وترسيخ المشاركة في تنمية أقاليمهم، تحت السيادة المغربية.
وفي هذا السياق، يبرز مطلب تمكين أبناء الأقاليم الصحراوية من أدوار أكبر في تسيير شؤون مناطقهم، والمساهمة في صياغة أولوياتها الاقتصادية والاجتماعية، باعتبارهم الأقدر على التعبير عن انتظارات الساكنة والترافع عن احتياجاتها، مع ضرورة فتح أفق المصالحة الوطنية، من خلال إصدار عفو شامل يتيح لأبناء المنطقة الموجودين بمخيمات تندوف العودة الطوعية إلى وطنهم، والمشاركة في بناء مستقبل مشترك بعيداً عن تداعيات سنوات النزاع.
غير أن الحديث عن مرحلة جديدة لا يمكن أن ينفصل عن معالجة الاختلالات الاجتماعية والاقتصادية التي لا تزال تعيشها فئات من الساكنة الأصلية، خصوصاً بإقليم وادي الذهب، حيث تتجدد المطالب المرتبطة بالحق في التشغيل والسكن والإنصاف في الاستفادة من فرص التنمية.
من ذاكرة المعاناة إلى مطلب الإنصاف
وتكتسي هذه المطالب بعداً تاريخياً واجتماعياً، بالنظر إلى الظروف الصعبة التي عاشتها أجيال من أبناء المنطقة خلال فترات الاستعمار الإسباني، ثم المرحلة التي أعقبت انسحاب إسبانيا ودخول الإقليم في سياق الحرب والنزاع المسلح بين جبهة البوليساريو والجيش الموريتاني.
فقد عاشت أسر صحراوية ظروفاً استثنائية، طبعتها حالة عدم الاستقرار والخوف، ولم تكن المؤسسات التعليمية بمنأى عن تداعيات المواجهات العسكرية؛ إذ يتذكر عدد من أبناء المنطقة فترات كان خلالها دوي القذائف وأصوات الانفجارات يدفع إلى إخراج التلاميذ من حجرات الدراسة حفاظاً على سلامتهم، وهو ما تسبب في انقطاع عدد منهم عن التعليم وضياع سنوات دراسية من مسارهم.
ومع عودة إقليم وادي الذهب إلى السيادة المغربية سنة 1979، لم تكن الانطلاقة التعليمية والاجتماعية متكافئة بالنسبة إلى جميع أبناء المنطقة. فهناك من التحق بالقسم الأول من التعليم الابتدائي وهو في سن الثانية عشرة، بعدما حالت ظروف الحرب والاضطرابات دون ولوجه المدرسة في السن الطبيعي، ليجد نفسه مطالباً بتعويض سنوات من الحرمان ومواجهة تحديات الاندماج في الحياة العامة.
ومن هنا، فإن الحديث عن العدالة المجالية لا ينبغي أن يقتصر على المؤشرات الاقتصادية أو المشاريع الاستثمارية، بل يتعين أن يستحضر أيضاً الذاكرة الاجتماعية للأسر التي تحملت كلفة سنوات النزاع، وأن يترجم ذلك إلى إجراءات ملموسة في مجالات التشغيل والسكن والتعليم والتكوين.
استحضار تجربة الحسن الثاني في معالجة البطالة
وفي هذا السياق، يستحضر أبناء المنطقة ما يُروى عن المغفور له الملك الحسن الثاني، حينما اطلع على تفشي البطالة في صفوف الشباب الصحراوي، فأعطى،تعليماته لتوظيف أكثر من ستة آلاف شاب وشابة،الذي اطلق اعليهم اسم اشبال الحسن الثاني، في خطوة استهدفت إدماج فئة واسعة من أبناء الأقاليم الصحراوية في الحياة المهنية والإدارية.
وتستدعي هذه التجربة، في نظر المطالبين بالإنصاف الاجتماعي، استحضار روحها في المرحلة الراهنة، عبر بلورة برامج استثنائية للتشغيل، تأخذ بعين الاعتبار خصوصية الأقاليم الصحراوية، وتراعي أوضاع أبناء المنطقة الذين عانوا من الحرمان خلال مراحل تاريخية متعاقبة.
فليس من المقبول، وفق هذا الطرح، أن تستمر فئات من أبناء وادي الذهب في مواجهة صعوبات الولوج إلى فرص الشغل والسكن، في الوقت الذي تعرف فيه المنطقة توسعاً عمرانياً ومشاريع استثمارية وتنموية. كما أن التنمية لا تكتمل بمجرد تشييد البنيات التحتية، ما لم تنعكس بصورة مباشرة على مستوى عيش الساكنة الأصلية وتضمن لها نصيباً عادلاً من ثمارها.
مرحلة ما بعد المينورسو.. مسؤولية جديدة تجاه أبناء المنطقة
إن انتهاء ولاية المينورسو، بعد إخفاق مجلس الأمن في اعتماد مشروعي القرار الأمريكي والروسي يوم 30 أكتوبر 2026، يضع المنطقة أمام مرحلة جديدة من النقاش بشأن مستقبل تدبير الملف، خاصة أن البعثة التي تأسست سنة 1991 لم يعد لها تفويض أممي ممتد بعد 31 أكتوبر 2026. غير أن انتهاء الولاية لا يعني بالضرورة أن جميع عناصر البعثة ومعداتها غادرت المنطقة فوراً، إذ تحدث بلاغ الديوان الملكي عن توقف حضورها خلال الأيام المقبلة
وفي ظل هذا التحول، يطرح أبناء المنطقة سؤالاً جوهرياً: ألم يحن الوقت لكي يكون لأبناء الأقاليم الصحراوية الدور الأساسي في تدبير شؤون مناطقهم، والمشاركة الفعلية في اتخاذ القرارات المتعلقة بمستقبلها، في إطار السيادة المغربية والمؤسسات الدستورية للمملكة؟
إن المطالبة بتمكين أبناء المنطقة من تدبير شؤونهم ليست مجرد مطلب إداري، بل ترتبط أيضاً بالإنصاف التاريخي والاجتماعي، وبضرورة تصحيح اختلالات ظلت حاضرة في حياة عدد من الأسر، خصوصاً تلك التي تحملت تبعات الاستعمار والحرب والنزوح والحرمان من التعليم والعمل والاستقرار وتشتت العائلي.
كما أن المرحلة الجديدة تستدعي التفكير في مبادرة وطنية للمصالحة الشاملة، يكون من بين مرتكزاتها فتح باب العودة الطوعية والكريمة أمام الصحراويين الموجودين في مخيمات تندوف، مع توفير الضمانات القانونية والاجتماعية والاقتصادية اللازمة لإعادة إدماجهم، والنظر في عفو شامل عن المعنيين وفق الضوابط القانونية، بما يسمح بطي صفحة الماضي وجمع شمل العائلات.
لا تنمية حقيقية دون إنصاف الساكنة الأصلية
إن أبناء وادي الذهب الذين عاشوا مختلف مراحل التاريخ الحديث للمنطقة، من الوجود الاستعماري الإسباني إلى المرحلة الموريتانية، ثم عودة الإقليم إلى المغرب سنة 1979، يستحقون أن تكون معاناتهم جزءاً من السياسات العمومية الموجهة للمنطقة.
ويؤكد التاريخ الرسمي أن يوم 14 غشت 1979 شكل محطة مفصلية في مسار الإقليم، حيث قدمت وفود من العلماء والأعيان وشيوخ القبائل إلى الرباط لتجديد البيعة للمغفور له الملك الحسن الثاني.
لكن استحضار هذه المحطة التاريخية ينبغي أن يقترن اليوم بمسؤولية الدولة تجاه الأجيال التي عاشت ظروفاً استثنائية، والتي لا يزال بعضها يواجه صعوبات في الحصول على السكن وفرص الشغل، رغم ما تعرفه جهة الداخلة وادي الذهب من أوراش تنموية واستثمارات كبرى.
ومن هذا المنطلق، فإن المطلوب هو إحداث آليات واضحة للإنصاف، تشمل برامج تشغيل موجهة لأبناء المنطقة، ومعالجة ملفات السكن، ودعم الأسر محدودة الدخل، وتمكين الشباب من التكوين والتأهيل، مع اعتماد معايير شفافة تضمن تكافؤ الفرص بين جميع المواطنين.
إن استحضار مبادرة المغفور له الحسن الثاني، المتعلقة بتوظيف أكثر من ستة آلاف شاب وشابة صحراويين، كما تروي ذلك شهادات محلية بالاقاليم الصحراوية المسترجعة، يفتح النقاش حول إمكانية إطلاق مبادرة اجتماعية جديدة بروح مماثلة، تستجيب لحاجيات المرحلة الحالية. ويظل توثيق الرقم والقرار الأصليين أمراً ضرورياً لإثبات تفاصيل هذه التجربة التاريخية.
المصالحة والتنمية وتدبير محلي مسؤول
إن المرحلة التي تلي انتهاء ولاية المينورسو ينبغي ألا تتحول إلى مجرد تغيير في المعادلات الدبلوماسية، بل يجب أن تكون مناسبة لإطلاق مراجعة عميقة للسياسات الاجتماعية والاقتصادية بالأقاليم الصحراوية.
فالمصالحة الوطنية لا تكتمل فقط بعودة الموجودين في مخيمات تندوف، وإنما أيضاً بإنصاف من ظلوا في المنطقة وتحملوا سنوات المعاناة، وإشراكهم في تدبير شؤونهم، والاستماع إلى مطالبهم بعيداً عن الحسابات السياسية والانتخابية.
كما أن أبناء المنطقة ينتظرون انتقالاً حقيقياً نحو تدبير محلي مسؤول، يقوم على الكفاءة والنزاهة والمحاسبة، ويمنح الكفاءات المحلية مكانتها المستحقة في المؤسسات والإدارة ومراكز القرار.
إن الرسالة الأساسية اليوم هي أن انتهاء مرحلة المينورسو يجب أن يواكبه فتح صفحة جديدة مع أبناء الصحراء، عنوانها المصالحة الوطنية، والعودة الطوعية، والإنصاف الاجتماعي، وتكافؤ الفرص، وتمكين الساكنة من المشاركة الفعلية في تدبير مستقبل أقاليمها تحت السيادة المغربية.
فلا يكفي أن نتحدث عن طي صفحة النزاع، ما لم نعمل أيضاً على طي صفحات الحرمان والتهميش، وجعل المواطن الصحراوي في صلب كل مشروع تنموي وسياسي مقبل.