بقلم: تويليا بكار
إن قراءة المشهد السياسي بجهة الداخلة وادي الذهب والأقاليم الجنوبية عمومًا، تقتضي التحلي بالموضوعية والابتعاد عن منطق التعصب للأشخاص، والنظر إلى التجارب السياسية من زاوية الاحترام والإنصاف، مع التمييز بين الاختلاف في المواقف وتحويله إلى خصومة شخصية.
في هذا السياق، يبرز اسم كل من مبارك حمية والخطاط ينجا في المشهد السياسي بجهة الداخلة وادي الذهب، فيما يشكل حمدي ولد الرشيد أحد الأسماء الحاضرة في المشهد السياسي بالأقاليم الجنوبية. ولكل واحد من هؤلاء مساره وتجربته وموقعه في الحياة العامة، وهو ما يجعل احترام الاختلاف في الاختيارات والمواقف ضرورة تفرضها أخلاقيات العمل السياسي.
كفى من محاولات زرع الفتنة بين حمدي ولد الرشيد والخطاط ينجا، وكفى من تحويل التباين السياسي إلى مادة للتأويل والتجاذب!
فالاختلاف لا يعني العداوة، والتنافس لا يبرر الخصومة، كما أن الاعتراف بمكانة فاعل سياسي لا يستدعي الانتقاص من مكانة غيره. وقد تتباين الرؤى وتتغير التحالفات بحسب الظروف والاستحقاقات، لكن ذلك لا يمنح أحدًا الحق في اختلاق الخلافات أو تضخيمها أو تقديمها للرأي العام باعتبارها حقائق ثابتة دون معطيات مؤكدة.
وكما يقال: “ذاك الشبل من ذاك الأسد”، فإن الحكمة تقتضي ترك المجال للفاعلين السياسيين للتعبير عن مواقفهم واختياراتهم، بعيدًا عن محاولات التأثير في علاقاتهم من خلال نقل الكلام أو اجتزاء التصريحات أو تأويل المواقف خارج سياقها.
إلى كل من يسعى إلى تأجيج الخلافات أو يساهم، عن قصد أو دون قصد، في نشر كلام قد يسيء إلى العلاقات بين الفاعلين السياسيين، نقول: اتقوا الله في الكلمة، فليس كل ما يُنقل حقيقة، وليس كل ما يُتداول يعكس المواقف كما هي. وكم من خلاف اتسعت دائرته بسبب تأويل متسرع، وكم من علاقة تأثرت بأخبار لم تخضع للتحقق قبل تداولها.
إن المسؤولية الأخلاقية تقتضي ألا تتحول وسائل التواصل الاجتماعي إلى فضاء لتصفية الحسابات أو إطلاق الأحكام، بل إلى مجال للنقاش المسؤول وتبادل الآراء، مع احترام الأشخاص والاحتكام إلى الوقائع.
وفي المقابل، فإن الدعوة إلى احترام الفاعلين السياسيين لا تعني إعفاءهم من التقييم والمساءلة. فمن حق المواطنين مناقشة حصيلة المنتخبين، وتقييم أدائهم، والمطالبة بنتائج ملموسة، لأن المسؤولية العمومية تكليف يرتبط بخدمة الصالح العام والاستجابة لانتظارات الساكنة.
فما تحتاج إليه جهة الداخلة وادي الذهب، كما تحتاج إليه العيون وباقي الأقاليم الجنوبية، ليس توسيع دائرة الخلافات أو الانشغال بالحسابات الشخصية، وإنما تكثيف الجهود لتوفير فرص الشغل للشباب، وتشجيع الاستثمار، وتحسين الخدمات الأساسية، وتعزيز التنمية الاقتصادية والاجتماعية بما يضمن استفادة المواطنين من ثمارها.
كما أن التوجيهات الملكية السامية بشأن تفعيل ورش الجهوية المتقدمة وتعزيز التنمية الترابية المندمجة تفرض على مختلف الفاعلين، كل من موقعه، تغليب منطق التعاون والتكامل، والعمل على تحويل الإمكانات المتاحة إلى مشاريع وفرص ملموسة يستفيد منها المواطنون.
فالعيون والداخلة تجمعهما روابط وطنية وتاريخية ومصالح مشتركة، ومستقبلهما يقتضي ترسيخ ثقافة سياسية قوامها الحوار والتفاهم وتبادل الخبرات، بعيدًا عن كل ما من شأنه تعميق الانقسام أو إضعاف فرص التعاون.
إن الرهان الحقيقي ليس في البحث عن خلافات بين حمدي ولد الرشيد والخطاط ينجا، ولا في تحويل الاختلافات المحتملة بين مبارك حمية والخطاط ينجا إلى صراعات شخصية، بل في احترام استقلالية المواقف السياسية وترك الوقائع تتحدث عن نفسها، دون أحكام مسبقة أو تأويلات لا تستند إلى معطيات واضحة.
فالرجال لا يحتاجون إلى من يوسّع المسافات بينهم، بل إلى من يقرّب وجهات النظر ويشجع الحوار. والمصالحة ليست ضعفًا، والتفاهم ليس تنازلًا، والاختلاف ليس قطيعة؛ بل إن هذه كلها عناصر طبيعية في ممارسة سياسية ناضجة تحترم التعدد وتضع المصلحة العامة فوق الاعتبارات الضيقة.
قد تختلف المواقع وتتباين الاختيارات، وقد تتغير التحالفات، لكن الثابت الذي ينبغي أن يجمع الجميع هو خدمة الوطن والمواطن. ومن أراد الخير للمنطقة، فليكن جسرًا للتقارب لا وقودًا للخلاف، وصوتًا للحوار لا صدى للإشاعات، وداعيًا إلى الإصلاح بدل المساهمة في تأجيج التوتر.
إن الداخلة والعيون أكبر من خلافات الأشخاص والحسابات الضيقة، ومستقبل أبنائهما يستحق أن يكون أولوية مشتركة تتضافر من أجلها الجهود. أما التنافس السياسي، فينبغي أن يظل محكومًا بالاحترام المتبادل، وأن يُقاس بما يقدمه من بدائل ومبادرات وبرامج تخدم المواطنين.
كفى من زرع الفتنة، وكفى من تضخيم الخلافات، وكفى من تحويل الاختلاف السياسي إلى خصومة شخصية. فلننتصر للغة الحكمة، ولثقافة الحوار، ولحق المواطن في أن يرى أثر السياسة في حياته اليومية، بدل أن يظل أسير صراعات وتأويلات لا تضيف شيئًا إلى واقعه.
فالسياسة الحقيقية ليست في صناعة الخلافات، بل في تدبير الاختلاف، وليست في إبعاد الناس بعضهم عن بعض، بل في إيجاد المساحات المشتركة التي تجمعهم حول قضايا الوطن والتنمية.
اللهم ألّف بين القلوب، وأصلح ذات البين، واجعل الحكمة أساس المواقف، والمصلحة العامة غاية الجميع، وخدمة الوطن والمواطن بوصلة لكل عمل سياسي.