في ظل التحديات المتسارعة التي تواجه قطاع الصيد البحري، وفي وقت أصبح فيه تأهيل الموارد البشرية عاملاً حاسمًا في ضمان استدامة الثروات البحرية وتعزيز تنافسية المملكة، أكدت السيدة زكية الدريوش، كاتبة الدولة المكلفة بالصيد البحري، أن منظومة التكوين البحري أصبحت اليوم أحد أعمدة استراتيجية النهوض بالاقتصاد الأزرق، وأداة مركزية لبناء سيادة بحرية وطنية قائمة على الكفاءة والخبرة.
وخلال جلسة الأسئلة الشفوية بمجلس النواب ليوم الاثنين 15 يوليوز 2025، شددت المسؤولة الحكومية على أن الاستثمار في التكوين لم يعد خيارًا، بل ضرورة تفرضها التحولات التكنولوجية والمناخية والبيئية التي تشهدها المحيطات والمجالات البحرية.
وأوضحت الدريوش أن استراتيجية “أليوتيس”، التي توجه القطاع منذ سنوات، جعلت من التكوين ركيزة محورية، حيث تم إرساء شبكة وطنية تضم اليوم معهدًا عاليًا بأكادير يخضع لنظام التعليم العالي، و13 مؤسسة للتكوين المهني، و4 ملحقات موزعة على تسع جهات، تقدم عروضًا تكوينية متخصصة تشمل: الملاحة، ميكانيك السفن، السلامة البحرية، تربية الأحياء المائية، وتثمين المنتوجات البحرية.
ولتعزيز البعد التطبيقي، أشارت كاتبة الدولة إلى أن الوزارة استثمرت ما يفوق 76 مليون درهم في تجهيز البنيات وتحسين جودة التكوين، من أبرزها سفينة التكوين “العرفان” التي وضعت رهن إشارة معهد العيون، وأجهزة المحاكاة المتطورة التي تم تزويد بها معاهد أكادير، طانطان، العيون، وآسفي، ما مكن من إعادة بناء جسور الثقة بين التكوين وسوق الشغل.
وفي السياق ذاته، جرى إنشاء وحدات تطبيقية خاصة بتثمين المنتوجات البحرية، إلى جانب 6 مزارع بيداغوجية للتكوين في تربية الأحياء البحرية، موزعة على الواجهتين الأطلسية والمتوسطية، لتكريس نموذج جديد للتكوين يعتمد الممارسة والتفاعل المباشر مع البيئة البحرية.
كما نوهت الدريوش بتطور البعد التنظيمي والبيداغوجي، من خلال الانتقال إلى المقاربة بالكفاءات، وملاءمة البرامج مع المرجعيات الدولية، وفي مقدمتها اتفاقية STCW-F الخاصة بالتكوين والشهادات في قطاع الصيد، إضافة إلى دخول المؤسسات في مسار الاعتماد الدولي من خلال شهادة ISO 21001، بشراكة مع قطاع التكوين المهني.
ومن أجل مواكبة التحول الرقمي، كشفت المسؤولة الحكومية عن برنامج وطني لتجهيز مؤسسات التكوين البحري بالوسائل الرقمية، بهدف عصرنة المحتوى والطرق البيداغوجية، بما يعزز جاهزية المتخرجين للتفاعل مع سوق بحري يشهد تطورات غير مسبوقة في الابتكار، السلامة، والمراقبة البحرية.
وتكتسي هذه الجهود أهمية خاصة في ظل التحديات البيئية التي أصبحت تهدد التوازنات البحرية، حيث بات من الضروري وجود أطر مؤهلة قادرة على التعامل مع مخاطر التلوث، ومواكبة تقنيات الرصد البحري المستدام، والمساهمة في حماية المنظومة البيئية البحرية.
وفي ختام مداخلتها، أكدت السيدة الدريوش أن الرهان على التكوين هو رهان على المستقبل، وعلى بناء اقتصاد بحري متين، يُمكّن المغرب من تحقيق الاكتفاء، وتحصين سيادته الغذائية، وتوسيع قاعدة الشغل المنتج في المناطق الساحلية، خاصة في صفوف الشباب والنساء.