موريتانيا أمام تحدي الأمن الغذائي بعد قرار وقف الصادرات المغربية.. هل تتحول الأزمة إلى فرصة لإطلاق ثورة زراعية؟
صوت الصحراء
أثار قرار السلطات المغربية القاضي بوقف تصدير المنتجات الزراعية، من خضروات وفواكه، نحو عدد من الأسواق الإفريقية عبر معبر الكركرات، تفاعلاً واسعاً في الأوساط الاقتصادية والتجارية الموريتانية، بالنظر إلى الارتباط الوثيق للسوق الموريتانية بالمنتجات الزراعية المغربية، التي تشكل أحد أهم مصادر تموينها بالمواد الغذائية الطازجة.
وحسب خطري عبد الله جفجاف، فإن هذا القرار، الذي جرى تداوله ليلة الخامس من نوفمبر 2026، يطرح تساؤلات عديدة بشأن انعكاساته المحتملة على السوق الموريتانية، خصوصاً أن موريتانيا تعتمد بدرجة كبيرة على الاستيراد لتغطية حاجياتها من الخضروات والفواكه، في ظل محدودية الإنتاج المحلي وعدم قدرته على تلبية الطلب الداخلي بشكل كامل.
ويشير خطري إلى أن المغرب ظل، بحكم القرب الجغرافي وسهولة النقل البري وانتظام سلاسل التوريد، مورداً أساسياً للعديد من المنتجات الزراعية الموجهة إلى الأسواق الموريتانية، الأمر الذي يجعل أي اضطراب في هذه الإمدادات قابلاً للانعكاس على وفرة السلع ومستويات الأسعار، خصوصاً خلال الفترات التي يتراجع فيها الإنتاج الزراعي المحلي.
وأمام هذا الوضع، يرى جفجاف أن موريتانيا قد تجد نفسها مضطرة إلى البحث عن أسواق بديلة، من بينها الجزائر، غير أن المسافة الجغرافية بين مناطق الإنتاج الجزائرية والأسواق الموريتانية، فضلاً عن تكاليف النقل واللوجستيك، قد تجعل هذا الخيار أقل سهولة من الإمدادات التي كانت تصل عبر المعبر الحدودي مع المغرب.
ويؤكد خطري أن هذه التطورات ينبغي أن تشكل مناسبة لإعادة النظر في السياسة الزراعية الموريتانية، والانتقال من الاعتماد الكبير على الأسواق الخارجية إلى بناء منظومة إنتاج محلية قادرة على ضمان الاكتفاء الذاتي وتعزيز الأمن الغذائي في مواجهة التقلبات التجارية والظروف الإقليمية.
وتتوفر موريتانيا، بحسب جفجاف، على مؤهلات طبيعية وبشرية يمكن استثمارها في هذا المجال، من أراضٍ زراعية واسعة، ومناطق ذات تربة ملائمة، وموارد مائية، فضلاً عن إمكانات بشرية تحتاج إلى التأطير والتكوين والاستثمار. كما أن توجيه التمويلات نحو المشاريع الزراعية، وتشجيع المستثمرين والقطاع الخاص، من شأنه أن يساهم في خلق دينامية اقتصادية جديدة، خصوصاً في مجال إنتاج الخضروات والفواكه.
ويشدد خطري على ضرورة إطلاق برنامج وطني واسع للتنمية الزراعية، يقوم على تعبئة المؤسسات الإدارية والتقنية واللوجستية في مختلف الولايات، مع اعتماد مقاربة لامركزية تراعي خصوصية كل منطقة ومؤهلاتها الإنتاجية، إلى جانب توفير البذور والمعدات وأنظمة الري، وتأمين التمويل والمواكبة التقنية للفلاحين.
كما يدعو إلى وضع استراتيجية واضحة لتشجيع رجال الأعمال والمستثمرين والفاعلين الاقتصاديين ومكونات المجتمع المدني على الانخراط في مشاريع الإنتاج الزراعي، بما يضمن استمرارية التموين المحلي، ويحد من تأثير تقلبات الأسواق الخارجية.
وفي نظر جفجاف، فإن التحدي الحقيقي الذي تواجهه موريتانيا اليوم لا يرتبط فقط بإيجاد مورد بديل للمنتجات المغربية، وإنما بمدى قدرتها على تحويل هذه الظرفية إلى فرصة لإرساء سياسة زراعية مستدامة، تجعل الأمن الغذائي أولوية استراتيجية، وتقلص هشاشة السوق أمام القرارات التجارية والاضطرابات الخارجية.
ويستحضر خطري في هذا السياق تجربة إنتاج وتصدير البطيخ الأحمر الموريتاني، الذي تمكن من الوصول إلى أسواق أوروبية، باعتبارها نموذجاً على الإمكانات التي يمكن تطويرها عندما تتوفر شروط الإنتاج والتسويق والجودة والتنافسية.
وبالتالي، فإن التحديات التي أفرزها توقف الإمدادات الزراعية عبر الشمال قد تتحول إلى حافز لإطلاق نهضة زراعية حقيقية، لا تقتصر على سد حاجيات السوق المحلية، بل تتطلع مستقبلاً إلى تحقيق فائض إنتاجي يسمح لموريتانيا بدخول أسواق التصدير الإقليمية والدولية.
ويخلص خطري عبد الله جفجاف إلى أن الأمن الغذائي لا يتحقق بالاعتماد على الاستيراد وحده، وإنما ببناء قدرات إنتاجية وطنية قادرة على مواجهة الأزمات وضمان استقرار الأسواق.
من جد وجد، ومن زرع حصد.