صوت الصحراء:
في صباحٍ هادئ من صباحات الخريف، خرج رئيس الوزراء في جولة “تفقدية” مدروسة إعلاميًا. كانت الكاميرات تسبقه، وحاشيته تحيط به كالسياج، يبتسم هنا، يومئ هناك، يربّت على كتف طفل، ويصافح امرأة مسنّة وكأنه يحمل همّ البلاد في جيبه.
المشهد الأول: الروضة
كانت المحطة الأولى روضة أطفال حكومية، صغيرة وبسيطة، تزين جدرانها رسومات شاحبة، وألوانٌ بدأت تتقشّر من اللعب والوقت.
اقترب الرئيس من المديرة وسأل بنبرة القائد الذي لا يفوته شيء:
– كم تصرفون على طعام الطفل الواحد شهريًا؟
أجابت المديرة بفخرٍ لا تخلو منه البراءة:
– أربعمئة دولار، سيادة الرئيس. نحاول أن نوفر لهم تغذية متوازنة تساعد على نموهم وتعليمهم.
عقد حاجبيه، وأخذ يتظاهر بالتفكير:
– كثير… كثير جدًا. هذا غير معقول. خفضوها إلى ثلاثمئة. نحن في وضع اقتصادي يتطلب التقشف والانضباط.
ابتسم للحاضرين، وتابع جولته كمن أنقذ الميزانية العامة.
المشهد الثاني: السجن
بعد ساعات، وصل الموكب إلى السجن المركزي. أبوابٌ ضخمة، وجدرانٌ شاهقة، وعناصر أمنية تقف باستعداد مبالغ فيه.
داخل الزنازين، استقبله مدير السجن، وتحدث بفخر عن “تحسين ظروف المعيشة وإعادة التأهيل”. سأل الرئيس كعادته:
– كم تصرفون على طعام السجين شهريًا؟
أجاب المدير:
– أربعمئة دولار، سيدي.
أومأ الرئيس برأسه، ثم قال بثقة:
– لا، لا يكفي. هذا يُعتبر إهانة لكرامة الإنسان. ارفعوها إلى ثمانمئة.
تفاجأ وزير التعليم الذي كان يرافقه، واقترب منه وهمس باستغراب:
– معاليك، لماذا خفضت مخصصات طعام أطفال الروضة ورفعتها للسجناء؟
ابتسم الرئيس بسخرية، وقال دون تردد:
– وهل تظن أننا بعد ترك الوزارة… سنذهب إلى الروضة؟
سادت لحظة صمت، ثم ضحك المرافقون. الوزير ضحك مجاملة، لكنه نظر بعيدًا… كأنه فهم المعنى متأخرًا.
المشهد الثالث: بعد عشر سنوات
في قاعة محكمة مكتظة، جلس الرئيس السابق على كرسي المتهم. توالت التهم على مسامعه: اختلاس، فساد، سوء استخدام المال العام، تلاعب بالميزانيات، وقرارات كانت “كأنها نكات… لكنها وقعت على الناس كالكوارث”.
أصدر القاضي حكمه بالسجن لمدة عشر سنوات.
اقتيد الرئيس إلى زنزانته الجديدة في نفس السجن الذي زاره يومًا. فتح الحارس الباب، وأدخله بهدوء، ثم سأله بابتسامة ماكرة:
– هل تود أن تبدأ بطعام الإفطار؟ لدينا ميزانية جيدة بفضلك.
ضحك الرئيس وقال:
– على الأقل… سأأكل جيدًا.
رد عليه الحارس ببرود:
– صحيح… لكن على حساب أطفال الروضة، يا باشا.
أُغلِق الباب، وساد الصمت.
الخاتمة:
قد تُسرق ثروات الشعوب بقرارات صغيرة لا تُذاع في نشرات الأخبار، لكنها تُكتَب في دفاتر التاريخ… بخطٍ عريض.
حين تُخَفَّض ميزانية الطفولة، وتُرفَع ميزانية السجون، فاعلم أن الوطن يربّي أبناءه ليزجّ بهم لاحقًا خلف القضبان… أو ليأكلوا الفتات.