صوت الصحراء
تتهيأ كتابة الدولة المكلفة بالصيد البحري لاحتضان لقاء تشاوري جديد مع الفرقاء المهنيين، يوم الأربعاء 26 يونيو 2025، بمقرها بالرباط، لمناقشة واقع وتحديات نشاط سفن الصيد الساحلي بالجر. هذا الاجتماع يندرج ضمن مسار مستمر من الاجتماعات التقنية والتشاورية، التي تطمح من خلالها الإدارة الوصية إلى بلورة رؤية أكثر توازنًا لهذا النمط من الصيد، والذي لطالما أثار نقاشًا واسعًا بشأن انعكاساته على استدامة الثروات البحرية.
ولا تخرج طبيعة المحاور المرتقبة عن الانشغالات الكبرى التي تشغل بال الباحثين والمهنيين، حيث من المنتظر أن يطغى على النقاش ملفا معدات الصيد وتنطيق مناطق الجر، في ظل ما يمثله تنزيل هذا التنطيق من أولوية لدى المعهد الوطني للبحث في الصيد البحري، خاصة أن واقع المصايد أصبح يطرح أكثر من علامة استفهام حول قدرة المنظومة الحالية على مواكبة التغيرات البيئية والضغوط الاقتصادية المتنامية.
ولم يكن الحديث عن هذا المشروع وليد اليوم، فقد سبق أن تم التداول بشأنه داخل دوائر القرار المهني، باعتباره مشروعًا إصلاحيًا يتوخى ضبط جغرافيا الصيد الساحلي صنف الجر، استنادًا إلى معايير بيولوجية وتنظيمية. غير أن الجدل الذي أثاره في الأوساط المهنية، بسبب تدابيره الصارمة المقترحة، جعل مسار تفعيله يسير بتثاقل، رغم أهميته في ضمان التوازن بين استغلال الثروة البحرية ومتطلبات الحفاظ عليها.
وجاء إحياء النقاش حول هذا المشروع الإصلاحي استجابة لتوصيات لجنة الأخطبوط المنعقدة بتاريخ 28 يوليوز 2022، والتي دعت إلى ضرورة تفعيل مبدأ التنطيق كأداة تنظيمية لتقنين حركة وحدات الصيد الساحلي بالجر، والحد من التحركات العشوائية للسفن بين المناطق. ويُراهن من خلال هذا التوجه على ضبط مجالات نشاط الأسطول بشكل يسمح بتوزيع عادل ومتوازن لجُهد الصيد، وتفادي الضغط المفرط على مناطق بعينها. كما يندرج هذا المسعى ضمن تصور شامل يهدف إلى تثبيت وحدات الصيد داخل مجالات مجالية واضحة ومتكاملة، تتلاءم مع المؤهلات البيولوجية للموارد البحرية، وتستجيب في الآن نفسه لمتطلبات البنية التحتية للموانئ ومستوى تجهيزها.
ويقوم المشروع، في شقه العملي، على تقسيم الساحل الوطني إلى ست مناطق صيد، تتوزع على النحو التالي: المنطقة المتوسطية كوحدة أولى، والثانية من طنجة إلى مهدية، والثالثة بين المحمدية والصويرة، والرابعة بين أكادير وطانطان، ثم الخامسة بين طرفاية والعيون، وأخيرًا الوحدة السادسة التي تمتد جنوب بوجدور. هذا التقسيم يأخذ بعين الاعتبار تحاليل ميدانية لحركة السفن وتوزيع جهد الصيد عبر مختلف الموانئ الوطنية.
وإلى جانب التنطيق، يتضمن المشروع مراجعة لمسافات الصيد، حيث تقترح الإدارة رفع الحد الأدنى على مستوى الساحل الأطلسي من 3 إلى 6 أميال بحرية، فيما تراعي التعديلات على الواجهة المتوسطية الخصوصيات الجيومورفولوجية للمنطقة. وتحدد المسافات المقترحة في 1.8 ميل بحري للمنطقة الممتدة بين رأس سبارطيل والحسيمة، وميلين في المنطقة التي تصل إلى رأس المذرات الثلاثة، فيما تصل المسافة إلى 3 أميال في المنطقة التي تنتهي عند السعيدية.
هذه المقترحات تأتي في وقت حساس تشهده البيئة البحرية، حيث تؤكد تقارير ميدانية وجود ضغط متزايد على المخزونات القاعية، والتي أصبحت في حالة استغلال مفرط، ما يتطلب تدخلاً مستعجلاً لوقف النزيف. فغياب ضوابط مجالية واضحة أدى إلى ظواهر مقلقة، من بينها إعادة انتشار جهد الصيد بطريقة غير متوازنة، ما خلق نوعًا من “التسابق المحموم” نحو مناطق بعينها، وهو ما يتعارض مع مبدأ الاستغلال المستدام ويهدد التوازن البيئي في المدى المتوسط والبعيد.
ويُنتظر أن يشكل الاجتماع المقبل اختبارًا فعليًا لمدى استعداد الفرقاء المهنيين للانخراط في هذا الورش الإصلاحي، الذي لا يقتصر فقط على تنظيم الصيد، بل يتجاوز ذلك إلى بناء ثقافة جديدة في التعاطي مع المجال البحري، تقوم على تحمل المسؤولية المشتركة، واحترام الخصوصيات البيئية لكل منطقة، وتكريس نهج الحكامة المجالية في تدبير الثروة البحرية.
وفي ظل التحولات المناخية، والتهديدات المتزايدة التي تواجه الأنظمة البيئية البحرية، فإن تعزيز فعالية السياسات العمومية في قطاع الصيد لم يعد خيارًا تقنيًا فحسب، بل أصبح مطلبًا استراتيجيًا لضمان الأمن الغذائي، والحفاظ على فرص الشغل، واستدامة الأنشطة المرتبطة بالبحر.