بقلم محمد فاضل حمنة
لم تعد أزمة الديمقراطية اليوم مرتبطة فقط بصناديق الاقتراع، بل أصبحت مرتبطة أساساً بطبيعة الاختيارات التي تسبق الوصول إليها. فحين يغيب الوعي السياسي، ويضعف النقاش حول البرامج والكفاءات، تتحول الانتخابات أحياناً إلى مجال تحكمه الولاءات الشخصية والوعود الظرفية وتأثير المال.
وفي هذا السياق، يمكن الحديث مجازاً عن “ديمقراطية القطيع”، حيث لا يكون الاختيار دائماً مبنياً على المقارنة بين المشاريع، وإنما على اعتبارات اجتماعية أو مصلحية أو مالية. والنتيجة هي وصول نخب سياسية لا تعكس بالضرورة مستوى الطموح الديمقراطي الذي يتطلع إليه المجتمع.
ولا تتحمل الأحزاب وحدها مسؤولية هذا الواقع؛ فالصحافة والإعلام لهما دور أساسي في توعية المواطن ومساءلة المرشحين ومناقشة البرامج. غير أن جزءاً من الإعلام تحول، للأسف، من رسالة فكرية ورقابية إلى مهنة تخضع أحياناً لمنطق الإثارة والمصالح، مما يضعف قدرتها على القيام بدورها الحقيقي.
أما المال، فقد أصبح في بعض الاستحقاقات الانتخابية وسيلة للتأثير في الاختيارات، خصوصاً عندما تستغل الحاجة الاجتماعية والاقتصادية. وعندما يصبح المال أقوى من البرنامج، تتراجع قيمة الكفاءة ويصبح التنافس السياسي بعيداً عن جوهر الديمقراطية.
وفي المقابل، توجد أغلبية صامتة تمتلك من الوعي والكفاءة ما يؤهلها للمشاركة الفعالة، لكنها اختارت الابتعاد عن السياسة بسبب الإحباط وفقدان الثقة أو الاعتقاد بأن صوتها لن يغير شيئاً.
وهنا يكمن التحدي الحقيقي: كيف نستعيد ثقة هذه الفئة ونقنعها بالعودة إلى الفعل السياسي؟
إن بناء ديمقراطية أكثر نضجاً يتطلب ناخباً واعياً، وإعلاماً مستقلاً ومسؤولاً، وأحزاباً قادرة على إنتاج النخب وتأطير المواطنين، ومؤسسات تربط المسؤولية بالمحاسبة.
فالديمقراطية ليست مجرد يوم انتخابي، وإنما ثقافة وممارسة يومية. وأهم ما نحتاج إليه اليوم ليس فقط تغيير الوجوه، بل تغيير طريقة الاختيار نفسها، حتى يصبح المواطن هو الفاعل الحقيقي في صناعة القرار.
فالرهان ليس على إخراج الناس إلى صناديق الاقتراع فقط، بل على جعلهم يؤمنون بأن أصواتهم قادرة فعلاً على صناعة المستقبل.
.