صوت الصحراء
تطرح الساحة السياسية في الداخلة، مع اقتراب الاستحقاقات الانتخابية، سؤالًا لا ينبغي المرور عليه مرور الكرام: إلى أي حد أصبح الانتماء القبلي يُستعمل في العملية الانتخابية بديلاً عن البرامج والتصورات والكفاءة؟
فالملاحظ أن الخطاب الانتخابي بدأ، في بعض الحالات، ينزلق من الحديث عن التنمية والحكامة والتشغيل والاستثمار والتعليم والصحة إلى الحديث عن استقبال هذه القبيلة أو لقاء أعيان تلك القبيلة، وكأن القبيلة أصبحت هيئة انتخابية لها قرار موحد، وكأن مجموعة من الأشخاص تستطيع أن تتحدث باسم جميع أفرادها.
وهنا يجب أن نكون واضحين:
القبيلة مكوّن اجتماعي وتاريخي، لكنها ليست حزبًا سياسيًا، وليست جماعة ترابية، وليست مؤسسة دستورية، ولا يملك أحد حق مصادرة الإرادة الانتخابية لأفرادها.
من حق أي مواطن، بما في ذلك أبناء القبائل والعائلات والأعيان، أن يلتقوا بأي مرشح وأن يناقشوا معه قضاياهم ومطالبهم. لكن الخطورة تبدأ عندما يتحول هذا التواصل إلى ادعاء بوجود تفويض جماعي، أو إلى تقديم القبيلة للرأي العام باعتبارها كتلة انتخابية مغلقة ستصوت لفائدة هذا المرشح أو ذاك.
فالانتخابات في دولة المؤسسات لا تقوم على قاعدة: هذه القبيلة لنا وتلك القبيلة لكم، وإنما تقوم على أساس أن كل مواطن يمتلك صوتًا حرًا ومستقلًا، وأن المرشح مطالب بإقناع المواطنين ببرنامجه وكفاءته ورؤيته للمصلحة العامة.
وماذا يقول القانون؟
القانون التنظيمي المتعلق بالأحزاب السياسية لا يفتح الباب أمام تأسيس تنظيمات سياسية على أسس تتعارض مع المبادئ الدستورية والوحدة الوطنية والترابية أو تقوم على التمييز؛ وبالتالي فإن الحديث عن العمل السياسي على أساس عرقي أو تمييزي يطرح إشكالًا قانونيًا حقيقيًا ينبغي التعامل معه بجدية.
لكن ينبغي أيضًا عدم الخلط: مجرد اجتماع مرشح مع أفراد ينتمون إلى قبيلة معينة لا يعني تلقائيًا وجود مخالفة قانونية.
المسألة الأكثر أهمية هي: ما طبيعة هذا الاجتماع؟ وما الخطاب الذي يرافقه؟ وهل يتم تقديم مجموعة من الأشخاص باعتبارها ممثلة لجميع أبناء القبيلة؟ وهل يتم استعمال الانتماء القبلي للضغط أو التمييز أو الإيحاء بأن التصويت قرار جماعي؟
هذه أسئلة تستحق جوابًا مؤسساتيًا واضحًا، وليس مجرد الصمت.
أين اختفت البرامج؟
السؤال الذي يفرض نفسه اليوم على المرشحين هو:
أين البرنامج؟
أين التصور الخاص بالتنمية الاقتصادية للداخلة؟
أين الحلول المتعلقة بالتشغيل؟
أين الرؤية الخاصة بالاستثمار ودعم المقاولات والشباب؟
أين البرامج المتعلقة بالتعليم والصحة والنقل والتعمير والبيئة؟
أين تصور المرشح للحكامة المحلية والجهوية؟
وأين رؤيته لمكانة الداخلة في المشاريع الوطنية الكبرى؟
هذه هي القضايا التي يجب أن تكون في صدارة النقاش الانتخابي.
أما أن تتحول المنافسة إلى استعراض للقاءات القبلية وصور الاستقبال، فذلك لا يقدم للمواطن أي جواب عن الأسئلة الحقيقية التي ينتظر جوابًا عنها.
وإذا كنا نتحدث عن الحكم الذاتي، فالسؤال يصبح أكبر
الموضوع لا يتعلق باستحقاق انتخابي عابر.
نحن أمام منطقة لها خصوصيتها وأهميتها الاستراتيجية، وأمام مشروع وطني كبير يرتبط بمستقبل الأقاليم الجنوبية ومشروع الحكم الذاتي الذي تطرحه المملكة المغربية كإطار للحل السياسي للنزاع.
وهنا يصبح من المشروع أن نسأل:
هل العقلية التي تختزل السياسة في الولاءات القبلية قادرة على تدبير مرحلة تتطلب مؤسسات قوية ونخبًا مؤهلة وثقافة سياسية حديثة؟
الحكم الذاتي، إذا أريد له أن يكون مشروعًا ناجحًا وفعّالًا، لا يمكن أن يقوم على عقلية هذه قبيلتي وتلك قبيلتك.
إنه يحتاج إلى نخب قادرة على ممارسة الحكامة، وإدارة المؤسسات، وإعداد السياسات العمومية، وتدبير الموارد، وجلب الاستثمار، وتحقيق التنمية، والدفاع عن المصالح المحلية والجهوية داخل الإطار الوطني.
الحكم الذاتي يحتاج إلى رجال ونساء مؤسسات، لا إلى زعامات قبلية انتخابية.
ويحتاج إلى مواطنين أحرار في اختياراتهم، لا إلى تحويل الانتماء الاجتماعي إلى بطاقة انتخابية.
أين هي الجهات المعنية؟
والأكثر إثارة للاستغراب هو ذلك الصمت الذي يحيط بهذا الموضوع.
إذا كان الأمر مجرد لقاءات اجتماعية وسياسية عادية، فليكن ذلك واضحًا.
وإذا كانت هناك ممارسات تتجاوز القانون، فالقانون موجود والجهات المختصة موجودة.
أما ترك المجال مفتوحًا أمام تحويل القبيلة إلى أداة انتخابية، ثم انتظار أن يتقبل المواطن الأمر باعتباره طبيعيًا، فذلك لا يخدم لا الديمقراطية ولا المؤسسات ولا صورة المنطقة.
المطلوب ليس محاربة القبيلة، ولا إنكار دورها الاجتماعي والتاريخي، وإنما تحرير السياسة من استغلال الانتماءات الاجتماعية في غير محلها.
فالقبيلة لها مكانتها في المجتمع، لكن الصندوق الانتخابي لا ينتمي إلى قبيلة.
الصندوق ملك للمواطن.
والصوت ملك لصاحبه.
والمرشح لا ينبغي أن يسأل: كم قبيلة تقف خلفي؟
بل يجب أن يسأل:
ماذا سأقدم للناس؟
هذه هي السياسة.
وهذا هو معنى الانتخابات.
وهذه هي العقلية التي نحتاجها إذا كنا نريد فعلًا إعداد نخب قادرة على حمل مسؤولية المرحلة المقبلة، وعلى جعل الداخلة نموذجًا في الحكامة والتنمية والمؤسسات، لا ساحة لإعادة إنتاج منطق الولاءات والانقسامات.
الداخلة أكبر من القبيلة، وأكبر من المرشح، وأكبر من الانتخابات نفسها.
ومستقبلها يستحق نخبًا ترتفع إلى مستوى هذا المستقبل.