صوت الصحراء
يبدو أن الانتخابات عند بعضنا دخلت مرحلة جديدة: لم يعد المهم كم صوتاً تملك، بل كم شخصاً تستطيع أن تجمعه أمام الكاميرا!
قاعات تُملأ، وصور تُلتقط، ووجوه تُصفّ بعناية، ثم تُنشر الرسالة السياسية جاهزة: شاهدوا حجم الالتفاف… شاهدوا من معنا!
وبين صورة وأخرى، بدأت المنافسة تأخذ شكلاً غريباً؛ هذا يصور عشرات، وذاك يصور مئات، وثالث يبحث عن زاوية أوسع حتى تبدو القاعة وكأنها مدينة انتخابية بأكملها.
لكن العارفين ببواطن الأمور يتداولون كلاماً أكثر إثارة: هل أصبحت لبعض الالتحاقات أثمان؟ وهل تحولت بعض الصور إلى خدمات انتخابية مدفوعة؟
لا أحد يستطيع أن يجعل من الكلام المتداول حقيقة دون دليل، لكن مجرد انتشار هذه الأحاديث يطرح سؤالاً جدياً حول طبيعة بعض الحشود والالتحاقات التي تُقدم للرأي العام باعتبارها “موجة شعبية”.
والسؤال الأكثر إثارة للسخرية:
إذا ظهر خمسة أو عشرة أو حتى خمسون شخصاً في صورة واحدة، فهل حصل المرشح معها على أصوات قبيلة كاملة؟
يا جماعة الخير… من قال إن القبيلة تصوّت بكاميرا؟
الصورة لا تملك أصواتاً، والقاعة لا تدخل إلى مكتب التصويت، والسيارة المصطفة أمام المقر الانتخابي لا تضع ورقة في الصندوق.
والأهم أن القبائل والعائلات والمكونات الاجتماعية ليست “ملكية انتخابية” لأحد. داخل كل قبيلة، كما داخل كل عائلة، آراء واختيارات وحسابات مختلفة، ومن حق كل مواطن أن يصوت لمن يقتنع به، لا لمن ظهر إلى جانبه في صورة جماعية.
لذلك، من الأفضل لبعض الحملات أن تتوقف قليلاً عن عدّ الرؤوس، وأن تبدأ في عدّ الأفكار.
فالناخب اليوم قد يبتسم أمام الكاميرا، وقد يحضر لقاءً بدافع المجاملة، وقد يلتقط صورة مع هذا أو ذاك، لكنه في لحظة التصويت سيكون وحيداً أمام ورقة الاقتراع.
وهناك لن تسأله الكاميرا: أين كنت أمس؟
بل سيسأله ضميره: لمن ستمنح صوتك اليوم؟
وفي النهاية، قد تنجح الصورة في خداع العين لدقائق، لكن صندوق الاقتراع لا يجامل أحداً.
فهل نحن أمام موجة شعبية حقيقية؟ أم أمام سباق محموم لصناعة الصور والحشود؟
والسؤال الذي يستحق أن يُطرح بجدية أكبر:
هل أصبحت بعض الحملات الانتخابية تبحث عن تمثيل القبائل في الصور، بعدما عجزت عن إقناع الناخبين بالبرامج؟