الوشاية والتخوين في الأقاليم الصحراوية: حين يتحول اتهام الناس بالانفصال إلى وسيلة للتقرب من المسؤولين
صوت الصحراء: القسم السياسي
في الأقاليم الصحراوية، لا تبدو بعض الممارسات المشينة مجرد حالات معزولة، بل أصبحت الوشاية، في بعض الأوساط، وسيلة تُستعمل للتقرب من المسؤولين والتأثير في مواقفهم، وأحياناً لتصفية حسابات شخصية على حساب سمعة الآخرين ومصالحهم.
المفارقة المؤلمة أن هذا السلوك قد يصدر أحياناً عن أشخاص يفترض أن يكونوا في مقدمة المدافعين عن الصالح العام وخدمة المواطنين، فإذا بهم يمارسون نقل الكلام وتضخيم الوقائع وتقديم الاتهامات على أنها حقائق، بل وقد تجد هذه الممارسات أحياناً من يزكيها أو يغض الطرف عنها من بعض الجهات، سامحها الله.
والأخطر من ذلك أن الوشاية كثيراً ما تأخذ منحى سياسياً خطيراً، فيصبح من السهل أن يُقال عن شخص إنه انفصالي أو موالٍ لجبهة البوليساريو، لمجرد خلاف شخصي أو اختلاف في الرأي أو موقف لم يرق لبعض الأطراف، بينما يكون الشخص المعني في الأصل بعيداً كل البعد عن السياسة ولا علاقة له بهذه القضايا.
وهنا تكمن خطورة هذا النوع من الوشايات: فهي لا تكتفي بالإساءة إلى الأشخاص، وإنما تمس وطنيتهم وسمعتهم، وتحاول تحويل خلافات عادية إلى شبهات سياسية، وكأن الوطنية أصبحت ورقة تُستعمل لإسقاط هذا أو ذاك.
ومن حق أي مسؤول أن يتلقى المعلومات، ومن واجبه أن يستمع إلى المواطنين، لكن من واجبه أيضاً أن يتحقق ويتثبت ويميز بين المعلومة والوشاية، وبين الغيرة على المصلحة العامة والرغبة في تصفية الحسابات. فالقرار المبني على كلام غير موثوق قد يظلم بريئاً ويمنح صاحب الوشاية نفوذاً لا يستحقه.
إن الأقاليم الصحراوية، بما تحتاجه من تماسك وثقة وتعاون، في غنى عن هذه العقلية. فالاختلاف لا ينبغي أن يتحول إلى تخوين، والنقد لا ينبغي أن يصبح دليلاً على الانفصال، والمنافسة لا ينبغي أن تتحول إلى تشويه للآخرين.
الوحدة تُقوّى بالثقة، لا بالوشاية؛ والوطنية تُثبت بالأفعال، لا بالاتهامات.
ومن أراد خدمة الدولة والصالح العام، فليقدم الحقيقة كما هي، وليترك للمسؤول مهمة التحقق واتخاذ القرار. أما جعل الوشاية طريقاً للنفوذ، وإلصاق تهم الانفصال والموالاة للبوليساريو بأشخاص لا علاقة لهم بالسياسة، فهو سلوك يضر بالمجتمع أكثر مما يخدمه، ويزرع الفرقة بدل الوحدة.
وفي النهاية، تبقى الحقيقة البسيطة التي ينبغي ألا ننساها: المسؤول قد تتغير مهمته أو يغادر منصبه، أما أثر الظلم والتشهير فيبقى في ذاكرة الناس.
ولذلك، فإن محاربة هذه الثقافة مسؤولية مشتركة، تبدأ برفض الوشاية، ورفض التهم الجاهزة، وعدم مكافأة من يجعل من الإساءة إلى الآخرين وسيلة للتقرب.