حين نحرم لحم الخنزير ونتساهل مع الرشوة وأكل المال العام.. ازدواجية في فهم الحلال والحرام

صوت الصحراء

من أكثر المفارقات التي تكشف واقع المجتمعات اليوم أن الجميع تقريباً يتفقون دون تردد على تحريم لحم الخنزير، وهو أمر ثابت في الشريعة الإسلامية، لكن عندما يتعلق الأمر بمحرمات أخرى تمس الحياة اليومية ومصالح الناس وحقوقهم، يصبح النقاش مختلفاً، ويظهر قدر كبير من التساهل والتبرير، بل وأحياناً التطبيع مع ممارسات لا تقل خطورة من الناحية الدينية والأخلاقية.

فالـرشوة، والربا، والنميمة، والغيبة، وقطع الأرحام، وأكل مال اليتيم، والاستيلاء على المال العام، والخيانة، والغش، والتلاعب في المواريث، وظلم الناس، وسوء الأخلاق في الفضاء العام، فضلاً عن شرب الخمر وبيعها، كلها ممارسات لا يمكن التعامل معها باعتبارها مجرد أخطاء عابرة، خصوصاً عندما تتحول من سلوك فردي إلى ظاهرة اجتماعية تتكرر أمام أعين الجميع.

في الواقع المعاش، قد تجد من يتشدد في الحديث عن بعض المحرمات، لكنه لا يجد حرجاً في دفع رشوة لقضاء مصلحة، أو التوسط للحصول على حق ليس له، أو استغلال النفوذ لتحقيق منفعة شخصية.

وقد ينتقد أحدهم أكل أموال الناس بالباطل، لكنه لا يتردد في الاستفادة من مال عام دون وجه حق، أو التغاضي عن اختلالات تمس المصلحة العامة ما دام المستفيد قريباً منه أو من دائرته.

وهنا تكمن المشكلة الحقيقية: هل نلتزم بالدين عندما يتعلق الأمر بما لا يمس مصالحنا الشخصية، ثم نبحث عن التأويلات عندما تتعارض الأحكام مع مصالحنا؟

ومن العبارات التي تُستعمل أحياناً في غير محلها: «إن الله غفور رحيم».

لا شك أن الله سبحانه وتعالى غفور رحيم، وأن باب التوبة مفتوح، لكن الرحمة الإلهية لا تعني تحويل الحرام إلى حلال، ولا تمنح الإنسان رخصة للاستمرار في ظلم الآخرين وأكل حقوقهم.

فالذي يرتكب معصية ثم يندم ويتوب ويصلح ما أفسده ليس كمن يجعل من المغفرة ذريعة للاستمرار في الخطأ. والأخطر من ذلك أن بعض الأفعال لا تتعلق بحق الله وحده، وإنما بحقوق العباد، كالسرقة والرشوة وأكل المال العام والتلاعب في الميراث والاعتداء على حقوق الضعفاء.

فالمال العام ليس مالاً بلا صاحب، وإنما هو مال المجتمع، وُضع لخدمة المواطنين وتمويل المشاريع والخدمات والمرافق العمومية. وعندما يتم اختلاس المال العام أو تبديده أو استغلال المنصب لتحقيق منافع شخصية، فإن الضرر لا يتوقف عند قيمة مالية محددة، بل يمتد إلى المواطن الذي كان من المفترض أن يستفيد من ذلك المال في مدرسة أو مستشفى أو طريق أو مشروع تنموي.

وكذلك الرشوة لا تصبح مقبولة لمجرد تغيير اسمها. قد يسميها البعض «قهوة»، أو «حق الخدمة»، أو «هدية»، أو «إكرامية»، لكن تغيير المصطلح لا يغير جوهر الفعل إذا كان المقابل المالي يُدفع للحصول على خدمة غير مستحقة، أو لتجاوز القانون، أو لتقديم شخص على آخر دون وجه حق.

والأخطر أن تتحول الرشوة مع مرور الوقت إلى أمر عادي، فيصبح المواطن الذي يرفض دفعها هو الاستثناء، بينما يصبح من يدفعها هو الشخص الذي «يعرف كيف يقضي مصالحه».

وفي المقابل، هناك محرمات اجتماعية أخرى لا تترك وراءها فاتورة مالية، لكنها تترك جروحاً عميقة في المجتمع.

فالغيبة والنميمة والوشاية الكاذبة ونقل الكلام بين الناس يمكن أن تهدم علاقات أسرية، وتفسد صداقات، وتشعل صراعات داخل العائلات والقبائل ومحيط العمل.

وقد يتحول نقل الكلام إلى وسيلة للتقرب من أصحاب القرار والمسؤولين، أو للإضرار بالمنافسين، أو لتحقيق مصالح شخصية، فيصبح الكلام أداة للابتزاز والتشويه بدل أن يكون وسيلة للتواصل والإصلاح.

أما الأسرة، التي يفترض أن تكون حصناً للتكافل والتراحم، فإنها ليست بمنأى عن هذه الظاهرة.

فقد تنشأ خلافات بين الإخوة بسبب المال، وقد يصل الأمر إلى قطع الأرحام، أو حرمان أحد الورثة من حقه، أو ممارسة ضغوط على النساء أو الضعفاء للتنازل عن حقوقهم.

وهنا يظهر تناقض مؤلم: قد يتشدد البعض في تفاصيل دينية صغيرة، بينما يتعامل مع حق أخيه أو أخته في الميراث وكأنه مسألة قابلة للمساومة.

حتى السلوك في الفضاء العام أصبح في كثير من الأحيان مرآة واضحة لأزمة الأخلاق.

الإساءة إلى الآخرين، والصراخ، والسب والشتم، وعدم احترام الطوابير، واحتلال الملك العمومي، ورمي الأزبال، والقيادة المتهورة، والاعتداء اللفظي، كلها مظاهر لا تحتاج إلى خطب طويلة لاكتشاف حجم التراجع في ثقافة احترام الآخر.

فالدين لا يُقاس فقط بما يقوله الإنسان داخل المسجد، وإنما يظهر أيضاً في معاملته لجاره، وزميله، والعامل البسيط، والمرأة، والطفل، والضعيف، وفي احترامه للقانون والمجال العام.

المفارقة إذن ليست في وجود الحلال والحرام، وإنما في الانتقائية في تطبيقهما.

فلا يمكن أن نختار من الدين ما يتناسب مع رغباتنا ونترك ما يتعارض مع مصالحنا، ولا يمكن أن نستنكر محرماً لأنه بعيد عن حياتنا، ثم نتسامح مع محرم آخر لأنه يحقق لنا منفعة.

إن المجتمع الذي يريد محاربة الفساد يحتاج إلى أكثر من القوانين والعقوبات؛ يحتاج إلى إعادة الاعتبار لقيمة الأمانة والصدق والعدل والنزاهة وصيانة حقوق الآخرين.

وفي النهاية، فإن السؤال الحقيقي ليس: هل نعرف أن هذا حرام؟

فالجواب في كثير من الحالات معروف.

السؤال الأصعب هو: هل نملك الشجاعة الأخلاقية للامتناع عن الحرام عندما تكون لنا فيه مصلحة؟

فقد يكون من السهل أن تقول: «لحم الخنزير حرام»، لكن الاختبار الحقيقي للأخلاق والدين يبدأ عندما تكون الرشوة أمامك، أو المال العام بين يديك، أو حق اليتيم تحت تصرفك، أو ميراث أخيك في مواجهة أطماعك، أو سمعة إنسان تستطيع أن تهدمها بكلمة.

هناك، تحديداً، يظهر الفرق بين معرفة الحرام وبين الالتزام به.

تعليقات الزوار
جاري تحميل التعاليق...

شاهد أيضا

يستخدم هذا الموقع ملفات تعريف الارتباط لتحسين تجربتك. سنفترض أنك موافق على هذا ، ولكن يمكنك إلغاء الاشتراك إذا كنت ترغب في ذلك. موافقالمزيد