بقلم محمد الحبيب هويدي
في ظل تداول تصريحات ومواقف متعددة حول ملف الصحراء المغربية — بعضها يخلط بين الانتماء الاجتماعي والانتماء القانوني — يصبح من الضروري العودة إلى الأصل: الوثيقة، القانون، التاريخ، والمرجع الدولي. الحديث عن جغرافيا النزاع أو عن طبيعة الحلّ السياسي لا يمكن أن يُبنى على انطباعات أو تعابير عاطفية، بل على معايير ثابتة ومعترف بها.
المناطق التي وضعتها الأمم المتحدة منذ عقود في إطار النزاع معروفة بوضوح، الساقية الحمراء ووادي الذهب — هي وحدها التي تُعَدُّ موضوع النزاع، وفق تصنيفات أممية وقانونية.
في المقابل، تُروّج بين حين وآخر بعض الدعوات أو التصريحات التي تُحاول تضمين مناطق شمالية أو مغايرة داخل نطاق النزاع أو ضمن “حل تفاوضي” — ما يُشكّل خلطًا بين الجغرافيا الاجتماعية/القبلية وبين الجغرافيا القانونية.
من بين هذه المناطق، يذكر اسم واد نون (ومدن مثل كلميم، سيدي إفني، طانطان…) في بعض المواقف على أنها جزء من امتداد ثقافي أو اجتماعي للصحراء. لكن من المهم أن نتساءل: هل يعني الامتداد القبلي أو الثقافي تلقائيًا أن تُعاد رسم الحدود الدولية؟ وهل قبول هذا المعيار لا يعني فتح الباب لتعديل حدود كل دولة حسب انتماءات اجتماعية، بدل أن تبقى الحدود مبنية على وثائق رسمية وموافقات دولية؟
من الناحية التاريخية، تشير الوثائق والأرشيف الإسباني إلى أن ما عرف بـالصحراء الإسبانية (قبل انسحاب إسبانيا عام 1975) كان إقليمًا محددًا، ولم تمتد إدارته لتشمل مناطق شمالية مثل واد نون أو ما بعدها. بحسب تحليل أرشيفي مؤرخين، فإن الصحراء الإسبانية تضمّنت أقاليم جنوبية، بينما مناطق شمالية — التي تعد الآن جزءًا من المغرب — لم تكن ضمن تلك التقسيمات.
إذاً، أي حديث عن توسيع نطاق النزاع أو نطاق الحكم الذاتي ليشمل مناطق لم تُعترف بها أبدًا في وثائق أممية أو استعمارية هو منطقٌ مبني على رغبة أو تقدير شخصي لا على حقائق وثائقية.
وفيما يخص الجانب السياسي والدبلوماسي، قدّم المغرب عام 2007 مقترحًا للحكم الذاتي للأقاليم الصحراوية المعترف بها (ضمن نطاق النزاع) باعتباره “حلًا واقعيًا وعمليًا للملف”. هذا المقترح لقي اعترافًا من مجلس الأمن الدولي الذي — في قرارات متعاقبة، آخرها قرار 2703 — وصف المبادرة بأنها “جادة وذات مصداقية” كإطار للحل.
هنا أيضًا تبرز أسئلة أساسية: على أي أساس يُطلب اليوم توسيع نطاق هذا المقترح ليشمل مناطق غير معنية أصلًا بالقضية؟ هل بمقدور دولة أو فاعل واحد أن يعيد تعريف نطاق نزاع دولي قائم دون توافق أممي أو مراجعة رسمية للحدود؟ ألم تُبنَ المواثيق والأطر الأممية على نطاق واضح، حتى لا تُفتح أبواب تأويلات لا حصر لها؟
من زاوية الوثائق التاريخية: الأرشيف الإسباني — خرائط وتقسيمات استعمارية — يُظهر بوضوح أن الحدود التي كانت تُدار تحت مسمى الصحراء الإسبانية لم تشمل مناطق خارج النطاق الصحراوي الجنوبي. هذه ببساطة حقائق وثائقية، لا آراء. وربط مناطق مثل واد نون أو مناطق شمالية أخرى بالنزاع على أساس انتماء قبلي أو امتداد ثقافي هو تبسيط قاتل لقيمة الحدود القانونية.
ومع ذلك، تظهر تصريحات كثيرة — أحيانًا في سياق نقاش عام أو سياسي — تُعيد هذا الخلط إلى الحيز العام. لكن هل هذا كافٍ لإعادة صياغة جغرافيا النزاع؟ وهل مثل هذا الخطاب يخدم الجدية المطلوبة لمعالجة موضوع حساس كقضية الصحراء؟
لذا تُطرح أسئلة جوهرية بهذا الخصوص:
هل تصبح الحدود الدولية مرنة كلما ظهرت “تصريحات” جديدة أو مواقف ظرفية، أم أن ثبات الوثائق والاتفاقات هو الأساس؟
هل يُعقل أن تُبنى السياسة على انطباعات اجتماعية أو ثقافية بدل المراجع الدولية؟
إذا تُرِك تحديد نطاق النزاع للمزاجات أو الخطابات، فماذا يمنع أن يُعاد فتح حدود عشرات الدول على أساس امتداد قبلي أو ثقافي — وهل هذا ما نريده؟
أليس من الأجدر التركيز على تطبيق حل عملي ضمن ما اعترفت به الأمم المتحدة، بدل توسيع رقعة النزاع نظريًا؟
وأخيرًا: هل الهدف حقًا هو تحقيق تسوية مستقرة، أم إعادة الجدل حول هوية وحدود بطريقة تُربك القضية وتعقّدها؟
إن الثبات على المرجعية القانونية والتاريخية ليس خيارًا أدبيًا، بل ضرورة لضمان أن تكون أي تسوية حقيقية وثابتة. وما يقع خارج الإطار المعترف به دوليًا لا يمكن أن يُفرض كجزء من الحل فقط لأن “بعض التصريحات” ربطته بالنزاع.