صوت الصحراء
يشهد البرلمان المغربي هذه الأيام وضعًا يثير الكثير من الاهتمام، سواء لدى المتتبعين أو لدى المواطنين الذين يجدون أنفسهم أمام مشاهد تتأرجح بين الجدية المطلوبة في العمل التشريعي والطابع الهزلي الذي يفرض نفسه أحيانًا دون قصد. فالجلسات التي يُفترض أن تكون فضاءً للنقاش العميق وتقديم الإجابات الدقيقة تحولت في بعض اللحظات إلى عروض سياسية يغلب عليها الارتباك والتوتر.
تظهر الأجوبة التي يقدمها بعض الوزراء وكأنها تبتعد شيئًا فشيئًا عن جوهر الأسئلة المطروحة. كلمات كثيرة، ووعود فضفاضة، وتبريرات عامة، لكنها في النهاية لا تجيب عن الأسئلة الحقيقية التي تنتظرها فئات واسعة من المواطنين. هذا النوع من الأجوبة لا يساهم فقط في إضاعة الوقت، بل يجعل الحوار بين السلطة التنفيذية والتشريعية أقل فعالية وأضعف تأثيرًا.
في المقابل، تتكرر المشادات الكلامية بين البرلمانيين، فتتحول الجلسات أحيانًا إلى جدالات صاخبة تخرج عن إطار اللياقة السياسية. يتابع الجمهور هذا التوتر وكأنه مشهد من عمل درامي، بينما المطلوب هو نقاش محترم يركز على القضايا الجوهرية. هذه الانفلاتات اللفظية، مهما بدت لحظية، تعكس حاجة ملحّة إلى ترسيخ ثقافة الحوار الهادئ واحترام الرأي المخالف.
وتزداد الصورة تعقيدًا حين تصل الأمور إلى محاولة طرد أحد النواب من الجلسة العلنية، وهو مشهد يعبّر عن أزمة حقيقية في الانضباط الداخلي وإدارة النقاش. فمثل هذه المواقف لا تساهم سوى في إضعاف صورة المؤسسة التشريعية لدى المواطنين، وتكريس الانطباع بأن الجلسات تتحول أحيانًا إلى مواجهات شخصية بدل أن تكون فضاءً لمعالجة التحديات الوطنية.
ورغم الطابع الكوميدي الذي تضفيه بعض هذه اللقطات، فإنها تحمل في العمق رسالة مهمة: الحاجة إلى إعادة الاعتبار للنقاش السياسي، والارتقاء بمستوى السجال داخل البرلمان، وتحسين جودة التواصل بين مختلف الأطراف. فالمغرب اليوم في أمسّ الحاجة إلى خطاب سياسي واضح، مسؤول، ومبني على المعطيات، بدل الاكتفاء بردود منفعلة أو عباراة عامة لا تُسهم في حل المشكلات.
إن تقوية أداء البرلمان ليست مهمة مستحيلة، بل تتطلب إرادة جماعية تُركّز على تحسين نوعية النقاش، والالتزام بالأخلاق السياسية، واعتماد إجابات حكومية دقيقة، واحترام قواعد السير داخل الجلسات. حينها فقط سيستعيد البرلمان مكانته الطبيعية كمؤسسة تشريعية رائدة، ويشعر المواطن بأن صوته يجد صداه داخلها، بعيدًا عن الضوضاء والمشادات التي لا تضيف للقضية شيئًا.