صوت الصحراء
وصل مسؤول كبير إلى قرية نائية، في زيارة ميدانية نادرة، قد تكون الأولى منذ عهد الحماية. استقبله السكان بحرارة واحتشام، واصطف الشيوخ والشباب حوله كما تُصفّ الأماني على رف الانتظار.
ابتسم المسؤول وقال بصوته الجهوري المعتاد في النشرات:
– “قولوا لي، ما هي مشاكلكم؟”
رد ممثل عن الساكنة، وهو يضع يده على قلبه:
– “سيدي، عندنا مشكلتان لا ثالث لهما.”
– “هات أولاهما”، قال المسؤول بثقة رجل يملك مفاتيح الحل.
– “لدينا مركز صحي، لكن بلا طبيب ولا ممرض ولا حتى مقياس حرارة.”
ردّ المسؤول بسرعة البرق، وكأنه كان بانتظار هذه اللحظة ليبرهن أنه رجل الأفعال، لا الأقوال. مدّ يده إلى جيبه، أخرج هاتفه الذكي ، ضغط الأرقام وقال:
– “ألو، غدًا ترسلون طبيبًا إلى هذه القرية، مفهوم؟”
ثم أنهى المكالمة وهو يهز رأسه بفخر وكأن الصحة الوطنية كلها تدور على سبابته.
ثم التفت إلى السكان وسأل بنبرة المنتصر:
– “ومشكلتكم الثانية؟”
قالوا:
– “ما كايناش الشبكة فهاذ القرية أصلاً، حتى باش نعيطو للطبيب اللي وعدتينا به، خاصنا نمشيو نصعدو الجبل ونرفعو الهاتف للسماء بحال صلاة الاستسقاء.”
ساد صمت ثقيل للحظات.
المسؤول حاول التماسك… ابتسم ابتسامة صفراء، ثم نظر إلى هاتفه وكأنه يتهمه بالخيانة، وأعاد الجهاز إلى جيبه بحركة بطيئة وكأنها مشهد النهاية في فيلم درامي.
في تلك اللحظة، فهم الجميع أن الحل جاء من عالم آخر… لا يعرف أن أول خطوة لحل مشاكل القرى تبدأ بشبكة تغطية، قبل شبكة وعود.