الداخلة –
في إطار فعاليات ثقافية وتاريخية لإحياء ذكرى شخصيات بارزة أثرت المشهد الوطني والجهوي، يعود الحديث مجددًا إلى سيرة أحد أعمدة الحكمة والقيادة في الصحراء المغربية، رجل نذر حياته للوطن وللقبائل الصحراوية جميعها، دون تمييز أو انتماء ضيق. إنه الراحل محمد لمين حرمة الله، الذي ظلّ، حتى آخر أيامه، مثالًا يُحتذى به في الإقدام، والكرم، ورجاحة العقل، وعمق الانتماء.
لقد كرّس الراحل حياته للدفاع عن القيم الوطنية، ومبادئ الوحدة، والتماسك المجتمعي، ولعب دورًا محوريًا في مرحلة استرجاع جهة الداخلة وادي الذهب إلى السيادة المغربية، حيث كان من بين الرجال الذين وقفوا بصلابة، حاملين لواء التلاحم بين العرش والشعب.
قائد بحجم أمة
“لقد كنت دائمًا قائدًا عظيمًا، ومثالًا نقتدي به في الشجاعة والإقدام”، بهذه الكلمات استذكره مقربوه، مؤكدين أن محمد لمين حرمة الله لم يكن مجرد شخصية سياسية أو اجتماعية، بل كان مرجعية قبلية ووطنية جامعة، ومصدر إلهام لأجيال من أبناء المنطقة.
لم يكن فقط قائدًا، بل كان أبًا وأخًا ومرشدًا، يسعى دائمًا إلى الإصلاح، ويُصلح ذات البين، ويقود منطق الحكمة والحوار بدل الفرقة والانقسام. عرفه الجميع بـ”حكيم القبائل”، و”ضمير المرحلة”، وبقي صوته مسموعًا في مختلف اللحظات الصعبة، التي تطلبت الحكمة أكثر من الخطاب العالي.
حياة حافلة بالعطاء
ولد محمد لمين حرمة الله في بيئة صحراوية غنية بالقيم والعادات الأصيلة، فتشرّب من صغره روح الانتماء، وتشبع بثقافة الفداء، ما جعله حاضرًا دومًا في واجهة الأحداث الوطنية، مشاركًا في الجهاد بالكلمة والموقف، ومدافعًا عن قضية الصحراء في المحافل والمجالس.
كما كانت له إسهامات واضحة في دعم النسيج الاجتماعي والروحي في الداخلة وواد الذهب، من خلال احتضانه للعلماء، وتشجيعه للمبادرات الشبابية، ومرافقته لمسار التنمية، بكل تواضع وإخلاص.
رحيل الجسد.. وبقاء الأثر
توفي محمد لمين حرمة الله في مايو 2016، لكن حضوره ما زال حيًا في القلوب والعقول، حيث لم يفقد الناس أثره، ولا نُسيت خصاله. كان وسيظل رمزًا للوفاء، ومرجعًا وطنيًا بصم التاريخ الصحراوي والمغربي بطابعه الفريد.
“إن لم تكن حاضرًا بجسدك، فأنت حاضر في قلوبنا وعقولنا، أيها القائد، ولن ننسى أبدًا ما بذلته من أجل تعليمنا قيم الفداء، وبذل الغالي والنفيس في سبيل الوطن”.
رحم الله محمد لمين حرمة الله، وأسكنه فسيح جناته، وجزاه عن الوطن والعباد خير الجزاء.