إلى متى تستمر امتيازات أساطيل الصيد في أعالي البحار؟

صوت الصحراء
منذ ثمانينيات القرن الماضي، ما زالت أساطيل الصيد في أعالي البحار تتمتع بامتيازات مهمة، من بينها الاستفادة من دعم المحروقات، والإعفاء من بعض الرسوم، فضلاً عن امتيازات أخرى لا يستفيد منها الصيد التقليدي والساحلي بالقدر نفسه. ورغم هذه الامتيازات، فإن مساهمة هذا الأسطول في خلق فرص الشغل تظل محدودة مقارنة بالصيد التقليدي والساحلي، اللذين يشكلان ركيزة اقتصادية واجتماعية لآلاف الأسر، ويوفران فرص عمل مباشرة وغير مباشرة في الصيد، والنقل، والتسويق، والصناعات التحويلية، وإصلاح القوارب، وصناعة الشباك، وغيرها من الأنشطة المرتبطة بالقطاع.
ومن المفارقات أن عائدات الصيد في أعالي البحار تتركز غالبًا لدى عدد محدود من الفاعلين الاقتصاديين، في حين يساهم الصيد التقليدي والساحلي في توزيع الدخل على نطاق أوسع، ويضمن استقرارًا اقتصاديًا واجتماعيًا للمناطق الساحلية، ويحد من الهجرة والبطالة.
وتحذر العديد من الدراسات العلمية من استمرار الصيد بالجر، الذي يعد من أكثر وسائل الصيد تأثيرًا على البيئة البحرية. فهذا النوع من الصيد لا يستهدف الأسماك التجارية فقط، بل يجرف كل ما يعترض طريقه، بما في ذلك الأسماك الصغيرة التي لم تبلغ سن التكاثر، والكائنات غير المستهدفة، والشعاب والموائل البحرية التي تحتاج إلى سنوات طويلة لاستعادة توازنها. كما يؤدي إلى ارتفاع نسب المصيد العرضي، وإهدار جزء مهم من الموارد البحرية، مما يهدد استدامة المخزون السمكي ويؤثر سلبًا على الأمن الغذائي والاقتصاد البحري.
ولهذا السبب، اتجهت عدة دول إلى فرض قيود صارمة على الصيد بالجر أو منعه في مناطق بحرية حساسة، حمايةً للمخزون السمكي وللتنوع البيولوجي.
وفي المقابل، تؤكد منظمة الأغذية والزراعة للأمم المتحدة (الفاو) أن الصيد التقليدي والصيد صغير النطاق يمثلان ركيزة أساسية لتحقيق الأمن الغذائي، والقضاء على الفقر، وتوفير فرص الشغل، والمحافظة على النظم البيئية البحرية عند تدبيرهما بشكل مستدام. كما تشير المنظمة إلى أن هذا القطاع يوفر سبل العيش لملايين الأشخاص حول العالم، ويسهم بشكل كبير في التنمية المحلية واستقرار المجتمعات الساحلية.
ومن هنا، فإن أي إصلاح حقيقي لقطاع الصيد البحري ينبغي أن يقوم على مبدأ العدالة بين مختلف أنماط الصيد، ومراجعة سياسة الدعم والامتيازات وفق معايير الشفافية والمردودية الاقتصادية والاجتماعية والبيئية، وليس فقط وفق حجم الاستثمار.
كما أصبح من الضروري تعزيز المراقبة داخل البحر عبر تعميم أنظمة التتبع الإلكتروني والكاميرات على متن سفن الصيد، وتشديد الرقابة على نوعية الشباك المستعملة، خاصة شباك “الترامبا”، مع التطبيق الصارم للقوانين المتعلقة باحترام فترات الراحة البيولوجية، ومناطق المنع، وحجم الأسماك المسموح بصيدها.
إن حماية الثروة السمكية ليست مسؤولية الصياد وحده، بل هي مسؤولية جماعية تقتضي حكامة رشيدة، وتدبيرًا علميًا للمخزون، وعدالة في توزيع الامتيازات، حتى تبقى البحار مصدرًا للرزق والتنمية للأجيال الحالية والقادمة، بدل أن تتحول إلى مورد مستنزف بفعل ممارسات غير مستدامة.

تعليقات الزوار
جاري تحميل التعاليق...

شاهد أيضا

يستخدم هذا الموقع ملفات تعريف الارتباط لتحسين تجربتك. سنفترض أنك موافق على هذا ، ولكن يمكنك إلغاء الاشتراك إذا كنت ترغب في ذلك. موافقالمزيد