الاستقبال الملكي لفاطمة الزهراء المنصوري.. رسائل دستورية ورهانات سياسية في أفق تشكيل الحكومة الجديدة
الرباط – صوت الصحراء
يحمل استقبال الملك محمد السادس، يوم الأربعاء 14 أكتوبر 2026، فاطمة الزهراء المنصوري، رئيسة الحكومة المكلفة بتشكيل الحكومة الجديدة، بالقصر الملكي بالرباط، أبعاداً دستورية وسياسية تتجاوز الطابع البروتوكولي، بالنظر إلى توقيت اللقاء والمرحلة التي بلغتها المشاورات الرامية إلى استكمال تشكيل الأغلبية الحكومية وتحديد ملامح الهندسة الحكومية المقبلة.
وبحسب بلاغ الديوان الملكي، فقد أطلعت المنصوري الملك على مختلف المراحل التي قطعها مسار تشكيل الحكومة، في إطار الصلاحيات الدستورية للمؤسسة الملكية. ويأتي هذا الاستقبال بعد جولات من المشاورات السياسية بين الأحزاب المعنية بالمشاركة في الأغلبية، وفي سياق الانتقال من التفاوض بشأن التحالفات إلى استكمال الترتيبات المتعلقة بتوزيع الحقائب الوزارية وتحديد الأولويات التي ستؤطر عمل الحكومة الجديدة.
وتكتسي هذه المحطة أهمية خاصة، باعتبارها تضع مسار تشكيل الحكومة في إطاره المؤسساتي، حيث تتقاطع نتائج المشاورات الحزبية مع مقتضيات الدستور ومتطلبات بناء أغلبية منسجمة وقادرة على ضمان الاستقرار السياسي ومواكبة التحديات الاقتصادية والاجتماعية التي تواجه البلاد.
ومن الناحية الدستورية، يندرج تشكيل الحكومة ضمن مقتضيات الفصل 47 من دستور المملكة لسنة 2011، الذي ينظم تعيين رئيس الحكومة انطلاقاً من نتائج انتخابات مجلس النواب. غير أن الانتقال إلى مرحلة التنزيل العملي يقتضي استكمال المشاورات والتوافق حول مكونات الفريق الحكومي، بما يضمن وضوح المسؤوليات وإمكانية التنسيق بين القطاعات الوزارية.
قراءة سياسية تتجاوز الطابع البروتوكولي
في قراءة لدلالات الاستقبال الملكي، يبرز متابعون للشأن السياسي أن أهمية اللقاء ترتبط أساساً بتزامنه مع مرحلة متقدمة من مسار تشكيل الحكومة، حيث يصبح الرهان منصباً على ترجمة التوافقات الحزبية إلى فريق حكومي قادر على العمل المشترك، وتقديم برنامج يستجيب للأولويات الوطنية وانتظارات المواطنين.
وتتقاطع قراءات المحللين والباحثين في العلوم السياسية والقانون العام حول أهمية الانسجام داخل الأغلبية الحكومية، باعتباره عاملاً مؤثراً في فعالية العمل الحكومي واستمراريته. كما تبرز هذه القراءات أن نجاح المشاورات لا يقاس فقط بالتوصل إلى اتفاق بشأن توزيع الحقائب، وإنما أيضاً بمدى التقارب بين البرامج الحزبية والقدرة على تدبير الاختلافات داخل التحالف.
وفي هذا السياق، تظل قضايا توزيع المسؤوليات، وتحديد الأولويات، وضمان التنسيق بين القطاعات الحكومية من أبرز الملفات التي ستحدد ملامح المرحلة المقبلة. فالحكومة الجديدة ستكون مطالبة بتحويل التفاهمات السياسية إلى إجراءات وبرامج واضحة، مع الحرص على ربط المسؤولية بالنتائج وتعزيز فعالية السياسات العمومية.
ومع ذلك، فإن قراءة الاستقبال الملكي تقتضي التمييز بين المعطيات الرسمية والتأويلات السياسية؛ فالبلاغ الملكي أكد اطلاع الملك على تقدم مسار تشكيل الحكومة، لكنه لا يشكل، في حد ذاته، إعلاناً عن تفاصيل التشكيلة النهائية أو توزيع الحقائب الوزارية، وهي معطيات يبقى الحسم فيها مرتبطاً بالإعلانات الرسمية اللاحقة.
المنصوري بين رمزية التعيين وتحديات التدبير
يحمل تولي فاطمة الزهراء المنصوري رئاسة الحكومة بعداً رمزياً في تاريخ المشاركة السياسية للنساء بالمغرب، باعتبارها أول امرأة تتولى هذا المنصب. غير أن هذه الرمزية تفتح، في الوقت نفسه، نقاشاً حول مدى قدرة التجربة الحكومية الجديدة على تحقيق نتائج ملموسة في تدبير الشأن العام، والاستجابة للانتظارات الاجتماعية والاقتصادية.
وتتجه الأنظار إلى الملفات التي ستتصدر برنامج الحكومة المقبلة، وفي مقدمتها التشغيل، والصحة، والتعليم، والاستثمار، وتحسين القدرة الشرائية، إلى جانب مواصلة الإصلاحات وتعزيز جودة الخدمات العمومية. وهي تحديات تجعل من الانسجام الحكومي ووضوح الأولويات عنصرين أساسيين في تقييم الأداء خلال المرحلة المقبلة.
كما سيكون على الأغلبية الجديدة إيجاد التوازن بين الالتزامات السياسية للأحزاب المشاركة ومتطلبات التدبير الحكومي، بما يضمن استمرارية العمل المؤسساتي ويحول دون أن تتحول الاختلافات الحزبية إلى عائق أمام تنفيذ البرامج المتفق عليها.
من التوافق السياسي إلى اختبار الإنجاز
إن استقبال الملك محمد السادس لفاطمة الزهراء المنصوري يشكل محطة بارزة في مسار تشكيل الحكومة الجديدة، ويعيد النقاش إلى جوهر المرحلة المقبلة: طبيعة الفريق الحكومي، ومدى انسجام مكوناته، وقدرته على تحويل التوافقات السياسية إلى نتائج ملموسة.
وبين استكمال التشكيلة الحكومية والإعلان عن برنامج العمل، يبقى التحدي الأساسي هو الانتقال من مرحلة المشاورات إلى مرحلة الإنجاز، في سياق تتزايد فيه انتظارات المواطنين بشأن تحسين ظروف العيش وتطوير الخدمات العمومية وتعزيز فرص الاستثمار والتشغيل.
وعليه، فإن القيمة السياسية والمؤسساتية لهذه المحطة لن تتحدد فقط بما رافقها من اهتمام، بل بما ستكشف عنه المرحلة المقبلة من اختيارات حكومية، وبمدى قدرة الحكومة الجديدة على الاستجابة للتحديات المطروحة وترسيخ الثقة في العمل المؤسساتي.