انتخابات 23 شتنبر تحت مجهر النيابة العامة.. 403 شكاية وتدقيق قضائي في المخالفات

صوت الصحراء

لم تنتهِ انتخابات 23 شتنبر 2026 بمجرد إعلان النتائج، إذ كشفت المعطيات التي قدمتها رئاسة النيابة العامة عن استمرار المواكبة القضائية للعملية الانتخابية، من خلال تتبع الشكايات المرتبطة بمختلف مراحل الاستحقاق، من الحملة الانتخابية إلى يوم الاقتراع وما أعقبه.

وفي حصيلة قدمها مراد العلمي، رئيس قطب الدعوى العمومية وتتبع تنفيذ السياسة الجنائية وتحليل ظاهرة الجريمة برئاسة النيابة العامة، بلغ مجموع الشكايات التي توصلت بها النيابات العامة 403 شكايات، مقابل 1071 شكاية سجلت خلال انتخابات 2021، وهو ما يعني انخفاضاً يفوق 60 في المائة مقارنة بالاستحقاق السابق.

وأوضح المسؤول القضائي أن الشكايات لم تمر كلها عبر المساطر التقليدية، إذ تم تسجيل جزء منها مباشرة لدى النيابات العامة، فيما أتيح جزء آخر عبر التطبيقات الإلكترونية التي وضعتها رئاسة النيابة العامة، بما يسمح للمواطنين بإيداع شكاياتهم عن بعد.

ويبرز توزيع الشكايات أن يوم الاقتراع كان المرحلة التي عرفت أكبر عدد من التبليغات، بينما لم تكن طبيعة الملفات المعروضة مقتصرة بالضرورة على جرائم انتخابية بالمعنى الضيق، إذ ارتبط الجزء الأكبر منها بجرائم من القانون العام وقعت في سياق الحملات الانتخابية، من قبيل العنف والسب والشتم والمساس بالحياة الخاصة.

وفي المقابل، برزت وسائل التواصل الاجتماعي كفضاء جديد للمنازعات والشكايات الانتخابية، بعدما سجلت النيابة العامة ارتفاعاً في الملفات المتعلقة بالتشهير والمساس بحرمة الحياة الخاصة. وقد تم فتح أبحاث قضائية بشأن عدد من هذه الشكايات وتحريك المتابعات متى توفرت العناصر القانونية اللازمة.

وتكشف هذه المعطيات عن تحول واضح في طبيعة الشكايات المرتبطة بالمنافسة الانتخابية، إذ لم تعد المخالفات تقتصر على ما يقع داخل مكاتب التصويت أو خلال التجمعات والحملات، بل امتدت إلى الفضاء الرقمي الذي أصبح جزءاً من المجال الانتخابي، بما يفرض على المتنافسين والفاعلين السياسيين الانتباه إلى المسؤولية القانونية المترتبة عن المحتويات المنشورة خلال الحملات.

أما الملف الأكثر ارتباطاً مباشرة بعملية الاقتراع، فيتعلق بمحاضر مكاتب التصويت، حيث كشفت النيابة العامة عن تسجيل أربع شكايات فقط بشأن عدم تسليم نسخ من المحاضر إلى ممثلي المرشحين، موزعة بين كلميم والفحص أنجرة وسوق أربعاء الغرب.

وقد انتهى البحث في شكايتين إلى الحفظ لعدم ثبوت الفعل الجرمي، بينما بقيت شكايتان أخريان قيد البحث، وفق المعطيات التي قدمها المسؤول القضائي.

وتكتسي مسألة المحاضر أهمية خاصة في العملية الانتخابية، باعتبارها إحدى الوثائق التي تتيح لممثلي لوائح الترشيح تتبع نتائج التصويت وتوثيق الملاحظات المتعلقة بسير عمليات التصويت والفرز والإحصاء.

وكانت وزارة الداخلية قد ذكّرت، قبيل انتخابات 23 شتنبر، بحق ممثلي لوائح الترشيح في الحصول على نسخ من محاضر مكاتب التصويت والمكاتب المركزية ولجان الإحصاء، مؤكدة أن هذه النسخ لها نفس حجية نظائرها الأصلية. كما أوضحت أن ممثلي اللوائح لهم الحق في مراقبة عمليات التصويت والفرز والإحصاء وإدراج ملاحظاتهم في المحاضر.

ويحدد القانون التنظيمي رقم 27.11 المتعلق بمجلس النواب بدوره الإطار القانوني لهذه العملية، إذ ينص على إعداد نسخ مطابقة للمحاضر وتسليمها لممثلي اللوائح أو المترشحين المعنيين، فيما تجرّم المادة 57 الامتناع عن تسليم النسخة في الحالات التي يحددها القانون.

وفي هذا الجانب تحديداً، قدمت النيابة العامة توضيحاً قانونياً مهماً، مفاده أن قيام الجريمة المرتبطة بعدم تسليم نسخة المحضر يفترض حضور ممثل المرشح داخل مكتب التصويت أثناء إعداد المحضر. أما إذا غادر الممثل المكتب ثم عاد بعد انتهاء الفرز وتحرير المحضر، فإن شرطاً أساسياً لقيام الجريمة لا يكون متوفراً، بحسب التفسير الذي قدمه المسؤول القضائي.

وبذلك، لا يمكن التعامل مع مجرد الادعاء بعدم الحصول على نسخة من المحضر باعتباره، في حد ذاته، دليلاً على ارتكاب جريمة، وإنما يتعين التحقق من الظروف والشروط القانونية المحيطة بالواقعة، وهو ما يفسر أهمية الأبحاث القضائية في هذا النوع من الشكايات.

كما أن القانون يمنح المترشحين المعنيين إمكانية الاطلاع على محاضر العمليات الانتخابية وأخذ نسخ منها وفق الآجال والإجراءات المحددة، بما يوفر مساراً قانونياً إضافياً للاطلاع على الوثائق الانتخابية والاستناد إليها عند وجود نزاع.

وفي المجمل، تشير حصيلة النيابة العامة إلى أن انتخابات 23 شتنبر عرفت 403 شكايات، مع معالجة قضائية سريعة للملفات المفتوحة، إذ لم يتجاوز متوسط إنجاز الأبحاث 48 ساعة، في وقت أكدت فيه النيابة العامة أن يوم الاقتراع سجل أعلى حجم من الشكايات.

وتبقى هذه الأرقام، رغم انخفاضها الكبير مقارنة بانتخابات 2021، بحاجة إلى قراءة متأنية، لأن عدد الشكايات لا يشكل وحده مؤشراً على سلامة أو اختلال العملية الانتخابية، كما أن تسجيل الشكاية لا يعني بالضرورة ثبوت المخالفة أو الجريمة. وتظل نتائج الأبحاث والقرارات القضائية النهائية هي المحدد القانوني لطبيعة كل واقعة ومدى ثبوت المسؤولية بشأنها.

وبهذه المقاربة، أنهت النيابة العامة مواكبتها لاستحقاق 23 شتنبر بالتأكيد على تتبع مختلف مراحل العملية الانتخابية، والتعامل مع الشكايات وفق المساطر القانونية، مع إبراز خصوصية المرحلة الرقمية التي أصبحت جزءاً أساسياً من المشهد الانتخابي المغربي.

تعليقات الزوار
جاري تحميل التعاليق...

شاهد أيضا

يستخدم هذا الموقع ملفات تعريف الارتباط لتحسين تجربتك. سنفترض أنك موافق على هذا ، ولكن يمكنك إلغاء الاشتراك إذا كنت ترغب في ذلك. موافقالمزيد