توسعة مطار الداخلة.. مشروع معلن منذ سنوات، وغموض الوعاء العقاري يحول “السر الذي يعرفه الجميع” إلى وقود في الصراع السياسي
صوت الصحراء :المحرر السياسي
لم يظهر مشروع توسعة مطار الداخلة فجاة خلال الدورة الاستثنائية لمجلس جماعة الداخلة في يوليوز 2026. فالمشروع كان معلنا منذ سنوات، وتناولته الصحافة، ووصل الى البرلمان، ثم ادرج ضمن مراجعة وثائق التعمير. لكن ما ظل غامضا هو موقع التوسعة وحدودها العقارية، وهو الغموض الذي فتح الباب امام المخاوف والاشاعات والتوظيف السياسي.
في 20 يناير 2021، نشرت جريدة Le Desk مقالا للصحفية ريم بوسميد حول مشروع Aérocité d’El Argoub ، باعتباره منصة مطارية جديدة في منطقة العركوب كان يفترض ان تعوض مستقبلا مطار الداخلة القائم، ضمن قطب يضم انشطة مطارية ولوجستيكية وتجارية وسياحية.
وكان الحديث في هذه المرحلة عن مطار جديد في العركوب، وليس عن توسيع المطار الحالي داخل محيطه العمراني. وهذا التمييز اساسي، لان الخلط بين المشروعين ساهم لاحقا في تضارب الروايات حول مستقبل المطار وموقع منشاته الجديدة.
وفي 17 نونبر 2021، نشر الموقع الاخباري للشركة الوطنية للاذاعة والتلفزة مقالا بعنوان: “توسيع مطار الداخلة لاستقبال مليون مسافر في السنة”.
واوضح الموقع انه توصل بملف صحفي صادر عن المكتب الوطني للمطارات، يؤكد الاعداد لمشروع توسعة المطار القائم على مرحلتين.
تشمل المرحلة الاولى توسيع المحطة الجوية من 3000 الى 10 الاف متر مربع، ورفع الطاقة الاستيعابية للمطار من نحو 300 الف الى مليون مسافر سنويا، الى جانب بناء محطة للشحن الجوي.
اما المرحلة الثانية، فتشمل توسيع موقف الطائرات لاستقبال سبع طائرات متوسطة الحجم، وتوسيع موقف السيارات، وتهيئة مرافق قرب محطة الشحن، وبناء منطقة فندقية، وانجاز الشبكات والمسالك الطرقية المرتبطة بالمطار.
ومنذ ذلك التاريخ، لم يعد المشروع سرا. فقد اصبحت مكوناته التقنية واهدافه الاستيعابية منشورة للعموم. لكن الملف الصحفي لم يقدم خريطة تبين اتجاه التوسعة، ولا الوعاء العقاري الذي ستقام عليه المنشآت الجديدة، ولا التجزئات التي يمكن ان تتأثر بها.
وفي 10 ابريل 2023، انتقل الملف الى البرلمان، بعدما وجه النائب محمد الامين حرمة الله، عن فريق التجمع الوطني للأحرار، السؤال الكتابي رقم 9510 الى وزير النقل واللوجستيك تحت عنوان “توسيع مطار الداخلة”.
وتناول السؤال مشروعا قدرت كلفته بنحو 212 مليون درهم، مع مطالبة الوزارة بتوضيح الاجراءات والجدول الزمني للتنفيذ. وتثبت الصفحة الرسمية لمجلس النواب ان الوزارة اجابت عن السؤال بتاريخ 19 ماي 2023.
وفي 2 يونيو 2023، نشرت جريدة Le Matin مضمون جواب وزير النقل واللوجستيك محمد عبد الجليل.
وقال الوزير، وفق ما نشرته الجريدة، ان المكتب الوطني للمطارات كان بصدد استكمال الدراسات التقنية، وان انطلاق اشغال بناء المحطة الجديدة كان مبرمجا خلال سنة 2024، بمدة انجاز تقديرية تبلغ ثلاث سنوات، مع توقع بلوغ حركة المطار مليون مسافر في افق سنة 2040.
وهكذا أصبح مشروع التوسعة موضوعا رسميا داخل البرلمان، ولم يعد مجرد خبر صحفي او معلومة محلية متداولة.
وفي 3 ابريل 2025، نشرت جريدة Les Inspirations ÉCO معطيات عن إطلاق دراسة لمراجعة مخطط توجيه التهيئة العمرانية لخليج وادي الذهب.
واكدت الجريدة ان الدراسة مطالبة بإدماج عدد من المشاريع الكبرى، من بينها ميناء الداخلة الاطلسي، والمنطقة اللوجستيكية، والمناطق الصناعية، والمشروع الفلاحي، وتوسعة مطار الداخلة.
وهذا يعني ان علاقة توسعة المطار بمراجعة التخطيط العمراني كانت معلنة قبل الدورة الاستثنائية لمجلس جماعة الداخلة باكثر من سنة.
لكن الملف اتخذ منحى جديدا في 16 يوليوز 2026، عندما عقد مجلس جماعة الداخلة دورة استثنائية تضمنت عدة نقاط، من بينها مشروع مراجعة مخطط توجيه التهيئة العمرانية لخليج وادي الذهب، الى جانب مشروع تصميم تهيئة قطاعي لمنطقتي المدرسة الوطنية للتجارة والتسيير ومنطقة الحرفيين.
بعد هذه الدورة، انتقل النقاش من سؤال تطوير المطار الى سؤال اكثر حساسية: ما العقارات التي ستشملها التوسعة، وما مصير البقع والتجزئات السكنية المجاورة؟
ومع تصاعد القلق، تحول الملف الى مادة للصراع السياسي المحلي. فقد حاولت اطراف تحميل المجلس الجماعي مسؤولية اثارة المخاوف، بينما قدمت أطراف اخرى نفسها باعتبارها المدافعة عن حقوق اصحاب البقع.
كما ظهرت اتهامات تزعم ان بعض الاشخاص كانوا يتوفرون على معلومات مسبقة حول التوجهات التعميرية، وربما استعملوا تلك المعرفة في معاملات عقارية قبل انعقاد الدورة الاستثنائية.
غير ان المفارقة ان المعلومة الاساسية لم تكن مخفية في درج مغلق، ولا كانت تسريبا سريا انتزع من اجتماع ليلي. لقد كانت متاحة للعموم منذ سنوات، منشورة في الصحافة، ومطروحة داخل البرلمان، ومدرجة ضمن مراجعة وثائق التعمير. ومع ذلك جرى التعامل معها فجاة كما لو كانت خبرا عاجلا من طراز خطاب لترامب في منتصف الليل عن مضيق هرمز.
الخلاصة ان توسعة مطار الداخلة لم تكن مفاجأة ولم تكن سرا. فالمشروع كان معلنا منذ سنة 2021، ووصل الى البرلمان سنة 2023، وظهر ضمن مراجعة التخطيط العمراني سنة 2025.
وهنا يطرح مجموعة أسئلة التي لا يمكن تجاوزها :
اين كان من يقدمون أنفسهم اليوم باعتبارهم “سيوف العدالة” و”اصحاب القلوب الرحيمة”، ويرفعون شعارات الدفاع عن عامة الناس والفقراء من اصحاب البقع، حين كان مشروع توسعة المطار معلنا منذ سنة 2021، وحين وصل الى البرلمان سنة 2023، ثم ادراجه ضمن مراجعة وثائق التعمير سنة 2025؟
اليس من واجب النخب السياسية والحقوقية والجمعوية، وهي الاكثر اطلاعا على الملفات العمومية، ان تنور المواطنين وتطالب مبكرا بنشر الخرائط والوعاء العقاري، بدل انتظار انتشار الخوف ثم الظهور في صورة المنقذ؟
لقد بلغ الامر ببعض المتدخلين حد التحول فجاة الى مهندسين يقدمون اقتراحات هندسية ويحددون اتجاهات بديلة لتوسعة المطار، مع ان المشاريع المطارية لا ترسم بالمنشورات، ولا تحسم بالشعارات، بل بالدراسات التقنية وقواعد السلامة الجوية ووثائق التعمير.
اليس من مقتضيات الاخلاق والشيم ايضا ان ننور الراي العام بحدود صلاحيات المجلس الجماعي في هذا الملف، وان نوضح للناس ان دوره يقتصر على دراسة المشروع وابداء الراي والاقتراح، وان رفضه، مهما كانت دلالته السياسية، لا يوقف المخطط تلقائيا ولا يشكل وحده قرارا نهائيا بشأنه، بدل ترك المواطنين يعتقدون ان مصير عقاراتهم يحسم بتصويت داخل دورة جماعية؟
ان الدفاع الحقيقي عن اصحاب البقع لا يبدأ بعد انفجار الازمة، بل يبدأ بالتوعية المبكرة، وطلب الوثائق، وشرح الحقيقة للناس قبل ان تتحول مخاوفهم الى وقود في الصراع السياسي.