مشروع قانون مهنة العدول: تشريع مثير للقلق

بقلم محمد الحبيب هويدي
أعاد مشروع القانون المنظم لمهنة العدول، المصادق عليه بالمجلس الحكومي في 20 نونبر 2025، إلى الواجهة نقاشًا حادًا حول جودة التشريع ومدى احترامه للدستور ولمكتسبات مهنية راكمتها مؤسسة العدول عبر قرون. فبعيدًا عن الجدل الظرفي، يطرح هذا المشروع أسئلة جوهرية حول المنهجية المعتمدة، وفلسفة النص، وانعكاساته المحتملة على الأمن القانوني والتوثيقي.
أولى الملاحظات التي تفرض نفسها تتعلق بغياب مقاربة تشاركية حقيقية، حيث تم إعداد المشروع بمنطق الإقصاء والانتقاء، دون إشراك فاعلين مهنيين أساسيين، وفي مقدمتهم التنظيمات الموازية للعدول، إلى جانب تغييب التنظيمات النسائية المهنية، في تعارض صريح مع روح دستور 2011 الذي جعل المشاركة ركيزة أساسية في إعداد السياسات العمومية والتشريعات ذات الصلة بالمهن المنظمة.
كما يكشف المشروع عن تعامل انتقائي مع المقتضيات الدستورية، إذ تغيب فيه ضمانات أساسية تتعلق بالتوازن بين الحقوق والواجبات، والولوج العادل إلى العدالة، وربط المسؤولية بالمحاسبة في إطار من التناسب. ويزداد هذا القلق مع المساس بالحقوق المكتسبة، من خلال حذف ديباجة القانون الحالي، وإلغاء مقتضيات تنظيمية قائمة، دون تقديم بدائل واضحة أو رؤية انتقالية تحفظ استقرار المهنة واستمرارية المرفق.
ويثير المشروع، كذلك، إشكالًا دلاليًا عميقًا برفضه تسمية “قانون التوثيق العدلي”، رغم أن الوظيفة الجوهرية للعدول هي توثيق الحقوق والمعاملات، وهو ما يشكل تراجعًا رمزيًا وقانونيًا عن مكانة المهنة داخل منظومة العدالة. وفي المقابل، يكرّس النص مقاربة زجرية مفرطة، تتجلى في تضخم المقتضيات التأديبية والرقابية، مع غياب أي تصور لحماية الحقوق المهنية، خاصة ما يتعلق بالمرأة العدل التي ولجت المهنة بتوجيهات ملكية سامية.
ومن أكثر النقاط إثارة للاستغراب حرمان العدل من آليات أساسية لضمان أمن المعاملات، وعلى رأسها آلية إيداع ثمن البيع، التي لا تُعد امتيازًا مهنيًا، بل حقًا لأطراف العقد وضمانة لحماية أموالهم. كما يغيب عن المشروع الاستحضار الجدي للقانون بمثابة ميثاق للمرافق العمومية، الذي يشكل إطارًا مرجعيًا دستوريًا لمبادئ الحكامة الجيدة وجودة الخدمات.
ويبلغ التناقض ذروته في التعامل مع رسمية العقد العدلي؛ إذ يُحمِّل المشروع العدل مسؤوليات جنائية ثقيلة باعتبار محرراته رسمية، لكنه في الوقت نفسه يُقصيه من إضفاء الرسمية الفعلية عليها، ويجعلها رهينة بإجراء لاحق، مما يخلق ازدواجية مربكة تمس الأمن القانوني وتكرس عدم المساواة بين المهن القانونية.

إن مشروع القانون، بصيغته الحالية، لا يبدو قادرًا على تحقيق التوازن المطلوب بين حماية المرفق العام وضمان حقوق المهنيين والمرتفقين. لذلك، فإن سحبه أو مراجعته العميقة، مع إخضاعه لرقابة المحكمة الدستورية، يظل خيارًا ضروريًا لتصحيح المسار، وضمان تشريع منسجم مع الدستور، ومع متطلبات الأمن التوثيقي الذي يشكل حجر الزاوية في استقرار المعاملات والثقة في العدالة.

تعليقات الزوار
جاري تحميل التعاليق...

شاهد أيضا

يستخدم هذا الموقع ملفات تعريف الارتباط لتحسين تجربتك. سنفترض أنك موافق على هذا ، ولكن يمكنك إلغاء الاشتراك إذا كنت ترغب في ذلك. موافقالمزيد