“من أين لك هذا؟”… السؤال الذي تخشاه السلطة الفاسدة

بقلم محمد الحبيب هويدي
ليست قوة الدول في كثرة قوانينها، ولا في طول خطاباتها، ولا في عدد الهيئات التي تنشئها لمحاربة الفساد. فقانون لا يُطبق ليس أكثر من نص، وخطاب لا يتحول إلى ممارسة ليس أكثر من كلمات. أما الدولة التي تؤمن بالعدالة، فإنها تبدأ من سؤال واحد، قصير في ألفاظه، كبير في معناه: من أين لك هذا؟
قد يظن البعض أن هذا السؤال يحمل في طياته اتهامًا، لكنه في حقيقته يحمل احترامًا للقانون. فهو لا يدين أحدًا قبل ثبوت الدليل، ولا يصادر حق الإنسان في الكسب المشروع، ولا يعادي النجاح أو الثروة، بل يضع الجميع أمام ميزان واحد: إذا كانت الثروة مشروعة، فلا خوف من بيان مصدرها، وإذا كانت وليدة استغلال المنصب أو العبث بالمال العام، فإن الصمت لن يحول الباطل إلى حق.
الفساد لا يولد فجأة، بل ينمو في بيئة تعتاد الصمت. يبدأ بامتياز صغير، ثم يتحول إلى نفوذ، ثم إلى شبكة مصالح، ثم يصبح جزءًا من بنية الإدارة نفسها. وعندما يحدث ذلك، لا يعود الفاسد يخشى القانون، لأنه يدرك أن القانون معطل، ولا يخاف الرقابة، لأنها شكلية، ولا تقلقه لجان التحقيق، لأنها قد تنتهي إلى لا شيء. ما يخشاه حقًا هو أن تقوم دولة لا تساوم على سيادة القانون، فتسأله بهدوء وثقة: من أين جاءت هذه الثروة؟
ولعل أخطر ما يصيب المجتمعات ليس انتشار الفساد، وإنما اعتياد الناس عليه حتى يصبح مشهدًا عاديًا. حين يرى المواطن مسؤولًا دخل الوظيفة ببيت متواضع وسيارة عادية، ثم غادرها بقصور واستثمارات وحسابات لا تتناسب مع دخله، بينما لا يجرؤ أحد على السؤال، فإن المشكلة لم تعد في الشخص وحده، بل في النظام الذي سمح بأن يصبح السؤال نفسه ممنوعًا.
إن سؤال “من أين لك هذا؟” ليس اختراعًا حديثًا، بل هو امتداد لفكرة قديمة تقوم على أن السلطة أمانة، وأن المال العام حق للأمة، وأن من يتولى الشأن العام يخضع لمستوى أعلى من الشفافية، لأن مسؤوليته أكبر من مسؤولية غيره. فلا يمكن أن نطالب المواطن العادي باحترام القانون، ثم نعفي أصحاب النفوذ من الخضوع له.
لكن هذا المبدأ لا يكتمل إلا بضمانات العدالة. فالمساءلة لا تعني التشهير، والشفافية لا تعني انتهاك الخصوصية، ومكافحة الفساد لا تعني إدانة الناس قبل التحقيق. العدالة الحقيقية تبدأ بافتراض البراءة، ثم البحث عن الحقيقة بالأدلة، وتنتهي بحكم يصدر عن قضاء مستقل لا عن منابر الإعلام أو ساحات الرأي العام.
لقد أثبتت تجارب الدول التي نجحت في الحد من الفساد أن السر لم يكن في تشديد العقوبات وحدها، بل في جعل احتمال اكتشاف الفساد مرتفعًا، وفي ترسيخ ثقافة الإفصاح والرقابة واستقلال القضاء. فالعقوبة تأتي بعد وقوع الجريمة، أما المساءلة فتمنع وقوعها أصلًا، لأنها تجعل كل مسؤول يدرك أن المنصب ليس بابًا للثروة، بل مسؤولية سيُسأل عنها.
إن الأمم لا تنهض عندما تمتلئ شوارعها بالشعارات، بل عندما يشعر كل صاحب سلطة أن القانون يراقبه كما يراقب غيره، وأن لا أحد فوق المساءلة، ولا أحد دون حماية القانون. فالمساواة أمام القانون ليست شعارًا سياسيًا، بل هي الأساس الذي تُبنى عليه الثقة بين الدولة ومواطنيها.
ويبقى السؤال الذي يجب أن يظل حاضرًا في كل مشروع إصلاحي: هل نريد أن نحارب الفساد بعد أن يستفحل، أم نريد أن نبني منظومة تمنع تحوله إلى أسلوب حكم؟ إن الفرق بين الدول المتقدمة والدول التي تعاني من الفساد ليس في وجود القوانين، فالقوانين موجودة في كثير من الأحيان، وإنما في الجرأة على تطبيقها دون استثناء.
وفي النهاية، سيظل سؤال “من أين لك هذا؟” علامة فارقة بين دولة تكتفي بإدانة الفساد في الخطب، ودولة تحاصره في الواقع. إنه ليس سؤالًا ضد الأغنياء، ولا ضد المسؤولين، بل سؤالٌ في صالح الجميع، لأنه يحمي المال العام، ويصون سمعة النزيه، ويكشف من خان الأمانة. وعندما يصبح هذا السؤال قاعدة لا استثناء، ويُطبق على الجميع بلا تمييز، يمكن عندها أن نقول إن العدالة لم تعد وعدًا مؤجلًا، بل أصبحت ممارسة يومية، وإن الدولة اختارت أن تحكم بالقانون لا بالأشخاص.

تعليقات الزوار
جاري تحميل التعاليق...

شاهد أيضا

يستخدم هذا الموقع ملفات تعريف الارتباط لتحسين تجربتك. سنفترض أنك موافق على هذا ، ولكن يمكنك إلغاء الاشتراك إذا كنت ترغب في ذلك. موافقالمزيد