الحسن لحويدك يواصل توثيق ذاكرة الداخلة.. الجزء السادس من “ذاكرة وهوية ووطن” يعيد قراءة التاريخ المحلي من بوابة الثقافة

صوت الصحراء

في مدينة تختزن بين رمالها وسواحلها وأحيائها حكايات أجيال متعاقبة، تتواصل الجهود الرامية إلى حفظ الذاكرة المحلية وتوثيق التحولات التي عرفتها الداخلة، من خلال مبادرات ثقافية تسعى إلى جعل الكتاب وسيلة لاستعادة التاريخ وصيانة الهوية ونقل التجارب الإنسانية إلى الأجيال القادمة.

وفي هذا السياق، احتضنت مدينة الداخلة، يوم الاثنين 2 نونبر 2026، لقاء ثقافياً خُصص لتقديم وتوقيع الجزء السادس من مؤلف “ذاكرة هوية ووطن.. مذكرات من الداخلة”، للأستاذ والكاتب الحسن لحويدك، في محطة جديدة ضمن مشروع توثيقي يرصد جوانب من تاريخ المدينة وذاكرتها الجماعية، ويستحضر شخصياتها وأحداثها والتحولات التي ساهمت في تشكيل ملامحها الاجتماعية والثقافية والوطنية.

اللقاء، الذي نظمته مبادرة القراءة للجميع – الداخلة، بشراكة وتنسيق مع المركز الجهوي لمهن التربية والتكوين بجهة الداخلة وادي الذهب، جاء في سياق الاحتفاء بعيد الوحدة والذكرى الحادية والخمسين للمسيرة الخضراء، ليمنح للمناسبة بعداً يتجاوز تقديم إصدار أدبي جديد، نحو استحضار العلاقة بين الذاكرة المحلية والهوية الوطنية، وما يضطلع به التوثيق الثقافي من دور في حفظ الرواية التاريخية للمنطقة.

ويكتسي هذا الإصدار أهمية خاصة بالنظر إلى استمرارية المشروع الذي يقوده الحسن لحويدك عبر أجزائه المتعاقبة، حيث لا يقتصر الاشتغال على استعادة أحداث الماضي، بل يمتد إلى تسجيل الشهادات والتجارب الإنسانية ورصد ملامح الحياة في الداخلة، بما يجعل من هذه المذكرات رصيداً معرفياً يمكن أن يشكل مادة للباحثين والمهتمين بتاريخ المنطقة، ومرجعاً للأجيال التي لم تعاصر مختلف محطاتها.

وتبرز أهمية مثل هذه المبادرات في كون الذاكرة المحلية لا تُختزل في الوثائق الرسمية أو التواريخ المرتبطة بالأحداث الكبرى، وإنما تتشكل أيضاً من تفاصيل الحياة اليومية، وشهادات الفاعلين، وتحولات المجتمع، والعلاقات الإنسانية التي صنعت خصوصية المكان. ومن هذا المنطلق، تكتسب الكتابة التوثيقية قيمتها باعتبارها جسراً بين الذاكرة الشفوية والتدوين المكتوب، وفرصة لتثبيت روايات قد تكون عرضة للنسيان بفعل تعاقب الأجيال.

كما عرف الموعد مشاركة مجموعة من الأساتذة والباحثين والفعاليات الأكاديمية والثقافية، من بينهم أحمد المهدي، والحسن لحويدك، ولباب النخيل، وسمير مرزوق، وزهرة نقري، وعبد الله البرنوسي، ومحمد سالم أوحمان، حيث شكل حضورهم مناسبة لإغناء النقاش حول الكتاب ودلالاته، وفتح المجال أمام مقاربات متعددة لقضايا الذاكرة والهوية والتاريخ المحلي وأهمية الإنتاج الثقافي في تعزيز الوعي الجماعي.

ولا تنحصر دلالة هذا اللقاء في الاحتفاء بمؤلف جديد، بل تطرح من خلاله مسألة أوسع تتعلق بمكانة الثقافة في مسار التنمية المحلية، ومدى الحاجة إلى الاستثمار في المبادرات التي تعيد الاعتبار للكتاب والبحث والتوثيق، خصوصاً في مناطق تمتلك رصيداً تاريخياً وإنسانياً غنياً، وتحتاج إلى مزيد من الاشتغال الأكاديمي والإعلامي لتجميعه وتصنيفه وإتاحته أمام الباحثين والمهتمين.

فالداخلة، بما راكمته من تحولات تاريخية واجتماعية واقتصادية، ليست مجرد مجال جغرافي عرف توسعاً عمرانياً وتنموياً، بل فضاء إنساني يحمل ذاكرة متعددة الأبعاد، تستحق أن تحظى بمشاريع توثيقية مستمرة، تشمل تاريخها الاجتماعي والاقتصادي والثقافي، وتستحضر إسهامات أبنائها في مختلف المراحل.

ومن هنا، فإن تجربة الحسن لحويدك في إصدار الجزء السادس من “ذاكرة هوية ووطن.. مذكرات من الداخلة” تعيد التأكيد على أن كتابة تاريخ المدن مسؤولية ثقافية مشتركة، لا تقع على عاتق المؤرخين وحدهم، بل تتطلب انخراط الكتاب والإعلاميين والباحثين والمؤسسات التعليمية والثقافية، من أجل بناء ذاكرة موثقة ومتعددة الأصوات.

إن الاحتفاء بالمسيرة الخضراء وعيد الوحدة لا يقتصر على استحضار رمزية المناسبات الوطنية، وإنما يتيح أيضاً فرصة للتفكير في كيفية صون الذاكرة وتعزيز حضورها في الوعي الجماعي، باعتبارها أحد مكونات الانتماء الوطني وأساساً لفهم الحاضر واستشراف المستقبل.

وبين صفحات الماضي وأسئلة الحاضر، تواصل الداخلة كتابة حكايتها، ليس فقط عبر المشاريع والمنجزات، وإنما أيضاً من خلال أقلام أبنائها ومبادراتهم الثقافية التي تمنح الذاكرة صوتاً، وتجعل من الكتاب وثيقة تحفظ حكاية المكان والإنسان والوطن.

شاهد أيضا

يستخدم هذا الموقع ملفات تعريف الارتباط لتحسين تجربتك. سنفترض أنك موافق على هذا ، ولكن يمكنك إلغاء الاشتراك إذا كنت ترغب في ذلك. موافقالمزيد