صوت الصحراء: القسم السياسي
ليس تفصيلاً عابراً أن تغيب الأقاليم الجنوبية عن التشكيلة الحكومية المغربية الجديدة، في وقت تتصدر فيه نسب المشاركة الانتخابية على المستوى الوطني. فأن تسجل العيون الساقية الحمراء نسبة مشاركة بلغت 77 في المائة، والداخلة وادي الذهب 61 في المائة، وكلميم واد نون 53.48 في المائة، وفق الأرقام المعلنة لانتخابات 23 شتنبر 2026، ثم لا تحضر أي شخصية منحدرة من هذه الأقاليم ضمن أعضاء الحكومة الجديدة، فذلك معطى يستحق أكثر من مجرد الإشارة العابرة في قراءة الخريطة الجغرافية للوزراء.
المسألة هنا لا تتعلق بالمطالبة بحصة وزارية على أساس الانتماء الجغرافي، ولا باختزال تشكيل الحكومات في حسابات الجهات والأقاليم، وإنما بطرح سؤال سياسي مشروع: أين تنعكس المشاركة الانتخابية المرتفعة للأقاليم الجنوبية داخل مؤسسات القرار التنفيذي؟ وإذا كانت هذه المشاركة تُستحضر باعتبارها مؤشراً على الانخراط في الحياة السياسية، فإن غياب ممثلي هذه الأقاليم عن الحكومة يفتح النقاش حول مدى ترجمة هذا الانخراط إلى حضور في المؤسسات التي تتولى رسم السياسات العمومية وتنفيذها.
وتزداد دلالة هذا الغياب حين نقارنه بحضور جهات ومدن أخرى في التشكيلة الجديدة، حيث ينحدر ثلاثة أعضاء من إقليم تارودانت وحده، فيما تحظى أقاليم ومدن أخرى بتمثيلية متعددة. لا يعني ذلك أن كثرة الوزراء المنحدرين من منطقة بعينها تمثل في حد ذاتها خللاً، أو أن لكل جهة حقاً ثابتاً في حقيبة وزارية، لكنه يبرز تفاوتاً في الخريطة الجغرافية للحكومة، ويجعل غياب الصحراء سؤالاً مشروعاً حول طبيعة المعايير التي تتيح للنخب المحلية الوصول إلى أعلى مستويات المسؤولية التنفيذية.
ولا يمكن فصل هذه المسألة عن المسار التاريخي للحضور الصحراوي في الحكومات المغربية. فمنذ سنة 1975، ظل عدد الشخصيات المنحدرة من الأقاليم الجنوبية التي تولت مسؤوليات حكومية محدوداً، وظلت تجاربها متقطعة، وفق المعطيات المتاحة. ورغم وصول شخصيات مثل خليهن ولد الرشيد وأحمد لخريف وامباركة بوعيدة ورقية الدرهم إلى مناصب حكومية، فإن هذا الحضور لم يتحول إلى تمثيلية مستمرة، كما لم يصل أي من هذه الأسماء، بحسب المعطيات الواردة، إلى قيادة وزارة مستقلة.
وهنا تتجاوز المسألة حدود التشكيلة الحالية لتلامس سؤال تجديد النخب السياسية ومدى انفتاح المؤسسات المركزية على الكفاءات القادمة من الأقاليم الجنوبية. فالتوازنات الحزبية والتحالفات السياسية ومتطلبات تدبير القطاعات الوزارية كلها عوامل مشروعة في تشكيل الحكومات، لكنها لا تلغي أهمية التساؤل عن موقع الكفاءات الصحراوية ضمن هذه الحسابات، ولا عن السبل الكفيلة بتوسيع مشاركتها في تدبير الشأن العام الوطني.
وتكتسب هذه المفارقة بعداً إضافياً في ظل تمسك المغرب بمبادرة الحكم الذاتي تحت السيادة المغربية، وما يرتبط بها من رهانات تتعلق بتدبير الأقاليم الجنوبية عبر مؤسسات جهوية بصلاحيات محددة. فالنقاش حول مشاركة النخب الصحراوية لا ينبغي أن يقتصر على المؤسسات المحلية والمنتخبة، بل يمكن أن يمتد أيضاً إلى حضورها داخل الحكومة والمؤسسات المركزية، باعتبار ذلك وجهاً من أوجه المشاركة في صناعة القرار الوطني.
صحيح أن غياب شخصيات من منطقة معينة عن حكومة واحدة لا يكفي وحده للحكم على مجمل السياسات العمومية أو على واقع الإنصاف الجهوي، كما أن التمثيلية لا ينبغي أن تُقاس بالأصل الجغرافي وحده. لكن الصحيح أيضاً أن الغياب الكامل للأقاليم الجنوبية عن الحكومة، في مقابل مشاركتها الانتخابية المرتفعة، يطرح سؤالاً لا يمكن تجاهله: كيف يمكن توسيع قاعدة المشاركة في القرار الوطني، والاستفادة من الكفاءات التي تزخر بها هذه الأقاليم، دون تحويل التمثيل الجهوي إلى مجرد حساب عددي أو مطلب حصصي؟
إن الرهان لا يتعلق بوجود وزير صحراوي من أجل استكمال صورة الحكومة، بل بمدى قدرة الحياة السياسية على إنتاج نخب متنوعة، وبمدى انفتاح الأحزاب والمؤسسات على كفاءات مختلف جهات المملكة. فالحضور في الحكومة ليس المعيار الوحيد للمشاركة السياسية، لكنه يظل أحد المؤشرات التي تستحق القراءة، خصوصاً عندما يتعلق الأمر بأقاليم تحتل موقعاً مركزياً في الرهانات الوطنية.
الصحراء حاضرة بقوة في الحسابات الاستراتيجية للمغرب، لكن الأقاليم الجنوبية غائبة عن التشكيلة الحكومية الجديدة. وبين الأمرين مساحة تستحق النقاش الهادئ والصريح: ليس بحثاً عن حصص جغرافية، وإنما سعياً إلى فهم كيف يمكن أن تتسع المشاركة في القرار الوطني لتشمل كفاءات هذه الأقاليم، وأن يتحول الانخراط السياسي إلى فرص أوسع للمساهمة في تدبير الشأن العام.