صوت الصحراء :القسم السياسي
لم يعد السؤال المطروح اليوم هو من يتولى تدبير قطاع الصيد البحري، ولا إلى أي حزب ينتمي الوزير المشرف عليه، بل لماذا يظل مستقبل قطاع استراتيجي بهذا الحجم مرتبطا بتعاقب الوزراء وتغير التوازنات السياسية؟ ففي الأقاليم الجنوبية، من الداخلة إلى العيون وبوجدور وطرفاية، لا يمثل الصيد البحري مجرد نشاط اقتصادي، بل ركيزة للتشغيل والاستثمار والتنمية، وثروة وطنية تستحق نموذجا مؤسساتيا يضمن استقرارها واستدامتها.
إن ارتباط تدبير القطاعات الحيوية بالألوان الحزبية يفتح الباب أمام تساؤلات مشروعة بشأن استمرارية السياسات العمومية، ومدى تأثير التغييرات الحكومية على مصالح المهنيين والمستثمرين. ومن هنا تبرز الحاجة إلى طرح مقترح جريء يتمثل في تحويل قطاع الصيد البحري إلى مديرية سامية متخصصة، مستقرة ومستقلة في قراراتها الإدارية والتقنية، بعيدة عن التجاذبات الحزبية وتقلبات المناصب الحكومية.
ولا يعني هذا التوجه إقصاء الحكومة من مسؤولياتها، بل الفصل بين التوجيه السياسي والتدبير المهني؛ فالحكومة تحدد الاستراتيجيات وتتحمل مسؤولية اختياراتها، فيما تتولى إدارة متخصصة تنفيذ السياسات وضمان استمراريتها، وفق القانون ومعايير الكفاءة والشفافية.
لكن استقلالية هذه المديرية لا يمكن أن تكون مطلقة أو مجرد شعار، بل يجب أن تُحصّن بضمانات واضحة، تشمل التعيين على أساس الاستحقاق، وتدبيرا شفافا للتراخيص والمساطر، وآليات مستقلة للتدقيق والتقييم، وحق المهنيين في التظلم، وربط المسؤولية بالمحاسبة، مع منع تضارب المصالح وضمان تكافؤ الفرص بين جميع الفاعلين، بصرف النظر عن انتماءاتهم السياسية.
إن الرهان الحقيقي لا يكمن في الحزب الذي سيستقطب مهنيي القطاع، بل في بناء مؤسسة قوية لا تتغير قواعد اشتغالها بتغير الوزراء، ولا تصبح أبوابها رهينة القرب السياسي. فالثروة البحرية أكبر من الحسابات الحزبية، والتنمية في الأقاليم الجنوبية تحتاج إلى استقرار القرار ووضوح الرؤية وعدالة التدبير.
لقد آن الأوان للانتقال من منطق وزارة تتغير أولوياتها بتغير المسؤولين إلى منطق مديرية سامية تحكمها الكفاءة والاستقلالية والحكامة الجيدة. فالأشخاص يتغيرون، أما المؤسسات فيجب أن تستمر، ومصلحة الوطن ينبغي أن تبقى فوق كل اعتبار حزبي.