بقلم تويليا بكار ـالداخلة
المدرسة العمومية ليست مجرد فضاء للتعلّم، بل هي جزء من ذاكرتنا الجماعية، ومنها انطلقت أحلام أجيال من المغاربة، وبفضلها فتحت أمام أبناء الأسر البسيطة أبواب المعرفة والترقي الاجتماعي وتحقيق الطموحات. لقد شكّلت، ولا تزال، إحدى الركائز الأساسية لبناء المجتمع وترسيخ قيم المواطنة وتكافؤ الفرص.
لكن المدرسة العمومية تواجه اليوم تحديات حقيقية تستدعي إرادة إصلاحية قوية، ورؤية واضحة، وإجراءات عملية تتجاوز الشعارات والوعود إلى نتائج ملموسة يشعر بها التلميذ والأسرة والأستاذ على حد سواء.
إن استعادة الثقة في المدرسة العمومية تبدأ بضمان تعليم جيد ومنصف لجميع الأطفال، مهما اختلفت ظروفهم الاجتماعية أو المناطق التي ينتمون إليها، سواء في المدن أو القرى أو المناطق الجبلية والنائية. كما تقتضي معالجة الفوارق المجالية، والحد من الهدر المدرسي، وتحسين جودة التعلمات، وتوفير البنيات التحتية والتجهيزات الضرورية، وتعزيز الدعم الاجتماعي لفائدة التلاميذ المنحدرين من الأسر المعوزة.
ولا يمكن الحديث عن إصلاح حقيقي للمنظومة التربوية دون الاهتمام بالأستاذ، باعتباره حجر الزاوية في العملية التعليمية، من خلال تحسين ظروف عمله، وتثمين مكانته الاعتبارية والمهنية، وتوفير التكوين المستمر، وإشراك الأطر التربوية في صياغة القرارات التي تهم المدرسة ومستقبل الأجيال.
كما أن تطوير المدرسة العمومية يقتضي تحديث المناهج والبرامج، وترسيخ قيم المواطنة والتسامح والمسؤولية، وتنمية التفكير النقدي والإبداع، وتعزيز التمكن من اللغات والمهارات الرقمية، بما يجعل المدرسة قادرة على مواكبة التحولات المجتمعية والتكنولوجية والاستجابة لمتطلبات المستقبل.
إن الرهان الحقيقي لا يكمن فقط في إصلاح المؤسسات والبنيات، بل في بناء مدرسة تُنصف أبناء المغاربة، وتكتشف مواهبهم، وتمنحهم فرصًا متكافئة للنجاح، وتُعيد الاعتبار للمعرفة والاستحقاق والعمل الجاد.
ومع تولي السيد نبيل بنعبد الله المسؤولية، نأمل أن تشكل هذه المرحلة محطة جديدة لإصلاح المدرسة العمومية والارتقاء بجودة التعليم والتعلّم، وتعزيز الثقة في المنظومة التربوية، من خلال رؤية واضحة وإجراءات عملية تستجيب لانتظارات الأسر المغربية، وتضع مصلحة التلميذ في صلب الإصلاح، بما يضمن تعليمًا منصفًا وذا جودة لجميع أبناء الوطن.
ومن هذا المنطلق، فإن المرحلة المقبلة تقتضي تعبئة جماعية ومسؤولية مشتركة بين الدولة والأسرة والمدرسة والمجتمع، إلى جانب حكامة جيدة، وربط المسؤولية بالمحاسبة، وتقييم موضوعي ومستمر لنتائج الإصلاح، حتى تتحول الأهداف المعلنة إلى مكتسبات حقيقية داخل الفصول الدراسية.
فالمدرسة العمومية ليست قضية قطاع حكومي فحسب، بل هي قضية وطن بأكمله. وإصلاحها ليس ترفًا أو خيارًا مؤجلًا، بل ضرورة وطنية واستثمار استراتيجي في الإنسان، وفي العدالة الاجتماعية، وفي مستقبل المغرب.
لأن المغرب الذي نطمح إليه يبدأ من مدرسة عمومية قوية، ومنصفة، وذات جودة، تفتح أبواب الأمل أمام جميع أبنائه دون استثناء.