حين تستيقظ الأحزاب بالأقاليم الجنوبية مع اقتراب الانتخابات

صوت الصحراء :القسم السياسي

مع اقتراب موعد الاستحقاقات الانتخابية، يبدو أن المشهد الحزبي في عدد من أقاليم الصحراء بدأ يدخل مرحلة جديدة، عنوانها الأبرز عودة المقرات إلى الحياة، وتحرك الوجوه الحزبية في الأحياء، وارتفاع منسوب النشاط السياسي بعد سنوات من الهدوء.

مقرات ظلت أبواب بعضها موصدة أو شبه غائبة عن المواطنين طيلة الولاية الانتخابية، بدأت اليوم تستقبل الوافدين، فيما انتقلت تحركات أخرى من المكاتب إلى الشوارع والأحياء والمنازل، في محاولة لاستعادة التواصل مع المواطن والبحث عن أصوات الناخبين.

هذا التحول الموسمي يعيد إلى الواجهة نقاشا قديما حول طبيعة العمل الحزبي في الأقاليم الجنوبية: هل يتعلق الأمر بعمل سياسي مستمر، أم أن بعض الفروع لا تستعيد نشاطها إلا عندما تقترب صناديق الاقتراع؟

فالحزب السياسي، في مفهومه الحقيقي، يفترض أن يكون حاضرا بين المواطنين طوال السنة، وأن ينصت لمشاكلهم، ويؤطر الشباب، ويناقش قضايا التنمية المحلية، ويدافع عن انتظارات الساكنة، لا أن يتحول إلى محطة مؤقتة تشتغل بكامل طاقتها خلال الأسابيع التي تسبق الانتخابات.

واللافت أيضا أن جزءا من الحركية الحالية يبدو قائما على أشخاص ووجوه لم يكن حضورها بارزا خلال السنوات الماضية، بل إن بعض المتابعين يطرحون تساؤلات حول مدى إلمام عدد من ممثلي الأحزاب بتاريخ تنظيماتهم، ومرجعياتها الفكرية، ومبادئها، وأهدافها السياسية.

وهنا تبرز مفارقة لافتة: كيف يمكن لشخص أن يقدم نفسه ممثلا لحزب سياسي، وهو لا يستطيع إقناع المواطن بأنه يعرف أولا المشروع الذي يمثله؟

وفي خضم هذه الحركية، ظهرت أساليب جديدة في تدبير الحملات والتواصل الانتخابي. صور جماعية مع مواطنين تتحول إلى منشورات احتفالية على مواقع التواصل الاجتماعي، وصفحات تحمل أسماء من قبيل «محبو وأنصار فلان»، وكأن مجرد ظهور مجموعة من الأشخاص في صورة واحدة أصبح دليلا على وجود قاعدة انتخابية واسعة.

لكن الصورة، مهما كان حجمها، لا تعكس بالضرورة حقيقة المزاج الانتخابي.

فالمواطن قد يلتقط صورة مع هذا المرشح أو ذاك، وقد يحضر لقاء أو مناسبة، لكن القرار النهائي يبقى داخل المعزل الانتخابي، حيث لا كاميرات ولا صفحات ولا شعارات.

الأكثر إثارة للانتباه هو الحديث المتداول عن مجموعات يتم تقديمها تحت مسميات مثل «المؤطر» و«المؤطرة»، تضم أسماء ناخبين وتعمل على التواصل معهم، وسط حديث عن مبالغ مالية مرتبطة بهذه الأنشطة.

وإذا صحت هذه الممارسات في بعض الحالات، فإنها تطرح أسئلة جدية حول الحدود الفاصلة بين التأطير السياسي المشروع وبين تحويل الانتخابات إلى شبكة من الوسطاء والسماسرة.

فالانتخابات يفترض أن تكون مناسبة لاختيار البرامج والكفاءات، وليس مناسبة لتجميع لوائح الأسماء أو بناء شبكات انتخابية على أساس المقابل المالي.

ومن المفارقات أن بعض من يرفعون شعارات النزاهة والشفافية خلال الحملات الانتخابية قد يجدون أنفسهم أمام اختبار حقيقي عندما يتعلق الأمر بممارسات ميدانية يفترض أن تكون بعيدة عن كل ما يمكن أن يؤثر في الإرادة الحرة للناخب.

كما أن وسائل التواصل الاجتماعي تحولت بدورها إلى ساحة انتخابية موازية؛ صفحات جديدة تظهر فجأة، ومجموعات إلكترونية تنشط بشكل مكثف، ومنشورات متتالية تقدم هذا المرشح أو ذاك باعتباره صاحب الشعبية الأكبر.

غير أن السؤال يبقى مطروحا: هل نحن أمام تأييد شعبي حقيقي، أم أمام صناعة رقمية للصورة الانتخابية؟

إن بناء الشعبية لا يتم خلال أسابيع، كما أن الثقة لا تُشترى بالصور ولا تُقاس بعدد الإعجابات والتعليقات. المواطن الذي عاش خمس سنوات كاملة يراقب أداء ممثليه يعرف جيدا من كان قريبا منه ومن كان غائبا، ومن ظل حاضرا في قضاياه اليومية ومن لم يظهر إلا عندما اقترب موعد الاقتراع.

وفي الأقاليم الجنوبية تحديدا، تزداد أهمية هذا النقاش بالنظر إلى خصوصية المنطقة وحاجتها إلى نخب سياسية قادرة على تقديم إجابات حقيقية عن ملفات التشغيل، والتنمية، والصيد البحري، والاستثمار، والسكن، والخدمات العمومية، وانتظارات الشباب.

لذلك، فإن المعركة الانتخابية الحقيقية ينبغي ألا تختزل في عدد السيارات التي تجوب الشوارع، ولا في عدد الصور المنشورة، ولا في حجم المجموعات المشكلة عبر تطبيقات التواصل، ولا في عدد الأسماء التي يتم تداولها داخل الشبكات الانتخابية.

المعيار الحقيقي هو ماذا قدم الحزب خلال الولاية؟ وماذا سيقدم خلال الولاية المقبلة؟

وهنا تقع المسؤولية أيضا على المواطن، الذي أصبح أكثر وعيا بضرورة محاسبة من يطلب صوته. فالصوت الانتخابي ليس سلعة، والمواطن ليس رقما داخل لائحة، والانتخابات ليست موسما لتصفية الحسابات أو توزيع الوعود.

أما الجهات والمؤسسات المكلفة بتتبع العملية الانتخابية، فستظل أمام مسؤولية أساسية تتمثل في ضمان احترام القواعد القانونية، والتعامل بصرامة مع أي ممارسات يمكن أن تمس بحرية الاختيار أو نزاهة العملية الانتخابية.

وفي النهاية، فإن السؤال الذي يفرض نفسه بقوة في الشارع بالأقاليم الجنوبية هو:

هل ستنجح الأحزاب في تحويل هذه العودة الانتخابية إلى بداية لعمل سياسي دائم ومستمر، أم أن أبواب المقرات ستغلق من جديد بمجرد انتهاء الانتخابات، لتعود معها حالة الصمت التي سبقت هذا الموسم؟

فالأحزاب لا تُقاس فقط بعدد الأصوات التي تحصل عليها ليلة إعلان النتائج، وإنما بمدى حضورها بين الناس طوال السنوات التي تسبق تلك الليلة.

تعليقات الزوار
جاري تحميل التعاليق...

شاهد أيضا

يستخدم هذا الموقع ملفات تعريف الارتباط لتحسين تجربتك. سنفترض أنك موافق على هذا ، ولكن يمكنك إلغاء الاشتراك إذا كنت ترغب في ذلك. موافقالمزيد