صوت الصحراء
لم يعد السؤال داخل حزب التجمع الوطني للأحرار مرتبطاً بمن يحمل صفة رئيس الحزب، بعدما انتقلت الرئاسة رسمياً إلى محمد شوكي، بقدر ما أصبح متعلقاً بحجم الحضور الذي ما يزال عزيز أخنوش يحتفظ به داخل التنظيم، وبمدى تأثيره في القرار السياسي والحزبي بعد مغادرته موقع الرئاسة.
محمد شوكي حاول وضع حد للجدل الذي رافق انتقال القيادة، مؤكداً أنه يمارس كامل اختصاصاته كرئيس للحزب، وأن تدبير شؤون التنظيم يتم من خلال مؤسساته وآليات التشاور المعمول بها. غير أن اللافت في تصريحاته أنه لم يحاول نفي استمرار حضور أخنوش، بل أقر بأن “طيفه مقبول ومطلوب”، بالنظر إلى ما راكمه الرجل خلال سنوات قيادته للحزب، وما خلفه من علاقات وتجربة وإرث تنظيمي وسياسي.
وهنا تكمن المفارقة التي تجعل النقاش حول مرحلة ما بعد أخنوش مفتوحاً. فالرجل لم يعد رئيساً للحزب، لكنه لم يتحول أيضاً إلى شخصية خارجه. وجوده داخل المكتب السياسي، إلى جانب موقعه كرئيس للحكومة، يجعله حاضراً بشكل طبيعي في المشهد السياسي والتنظيمي للتجمع الوطني للأحرار، حتى وإن كانت الصلاحيات الرسمية أصبحت بيد الرئيس الجديد.
ولذلك فإن نفي وجود قيادة فعلية لأخنوش لا يعني بالضرورة نفي تأثيره. فهناك فارق بين امتلاك القرار التنظيمي وبين امتلاك وزن سياسي ورمزي يجعل صاحبه حاضراً في النقاشات والاختيارات. وهذا بالضبط ما يبدو أن شوكي يحاول توضيحه عندما يؤكد أن استشارة أخنوش لا تختلف، من حيث المبدأ، عن استشارة أي عضو آخر في المكتب السياسي، وأنه قد يستشيره مرة في اليوم أو مرة في الشهر وفقاً لطبيعة الملفات المطروحة.
غير أن الواقع السياسي لا يقاس دائماً بالمساطر التنظيمية وحدها. فالأحزاب، كما هو معروف، لا تتحرك فقط وفق النصوص والقوانين الداخلية، وإنما تتأثر أيضاً بموازين القوة، وبالتجربة، وبالعلاقات التي راكمتها القيادات على امتداد السنوات.
ومن هذه الزاوية، فإن عزيز أخنوش ليس مجرد رئيس سابق لحزب التجمع الوطني للأحرار. لقد قاد التنظيم خلال مرحلة طويلة، وأشرف على إعادة ترتيب بنيته التنظيمية والسياسية، ونجح في قيادة الحزب إلى رئاسة الحكومة. وبالتالي فإن اختفاء أثره من داخل الحزب، حتى بعد مغادرته الرئاسة، ليس أمراً يمكن أن يحدث بقرار تنظيمي أو بانتخاب رئيس جديد.
لكن ذلك لا يعني في المقابل أن محمد شوكي مجرد واجهة لمرحلة انتقالية. فالرئيس الجديد أمامه الآن فرصة حقيقية لإثبات أن انتقال القيادة لم يكن مجرد تغيير في الاسم، وإنما انتقال فعلي في أسلوب التدبير وصناعة القرار.
الاختبار الحقيقي بالنسبة إلى شوكي لن يكون في التصريحات التي تؤكد امتلاكه الصلاحيات، وإنما في قدرته على ممارسة هذه الصلاحيات وإنتاج اختيارات سياسية وتنظيمية تحمل بصمته الخاصة. فكلما استطاع أن يفرض أسلوبه في إدارة الحزب، وأن يعزز حضور المؤسسات، وأن يجعل المكتب السياسي فضاءً حقيقياً لصناعة القرار، تراجع تلقائياً النقاش حول استمرار هيمنة الرئيس السابق.
أما إذا بقيت القرارات الكبرى تُقرأ دائماً من زاوية موقف أخنوش، وظل اسم الرئيس السابق حاضراً في كل الملفات السياسية والتنظيمية، فإن الحديث عن “الرئيس الفعلي” سيستمر، حتى وإن كانت الرئاسة الرسمية في يد شوكي.
ولعل أخطر ما يمكن أن تواجهه القيادة الجديدة هو أن تجد نفسها محاصرة بإرث المرحلة السابقة. فنجاح أخنوش في بناء نفوذ قوي داخل الحزب يمكن أن يكون رصيداً للتنظيم، لكنه قد يتحول أيضاً إلى عبء على القيادة الجديدة إذا لم تستطع إنتاج شرعيتها السياسية الخاصة.
وفي المقابل، فإن استمرار أخنوش داخل المكتب السياسي يمكن أن يكون نقطة قوة وليس نقطة ضعف، إذا بقي في حدود الخبرة والاستشارة والمساهمة في النقاش الداخلي، دون أن يتحول إلى مركز قرار موازٍ للرئاسة.
لهذا فإن المرحلة المقبلة ستكون اختباراً حقيقياً للعلاقة بين الرجلين، ليس من حيث طبيعتها الشخصية، وإنما من حيث قدرتها على ترجمة الانتقال السياسي إلى ممارسة مؤسساتية واضحة. فشوكي يحتاج إلى مساحة كاملة للتحرك وإثبات الذات، وأخنوش يحتاج إلى أن يتحول من قائد سابق إلى مرجعية داخلية دون أن يصبح بديلاً عن القيادة الحالية.
وفي النهاية، قد لا يكون السؤال الدقيق هو ما إذا كان أخنوش قد غادر حزب التجمع الوطني للأحرار من عدمه، لأنه لم يغادره أصلاً، وإنما السؤال هو: هل يستطيع الحزب أن يجعل من انتقال الرئاسة انتقالاً حقيقياً في مركز القرار، مع الحفاظ في الوقت نفسه على خبرة وإرث الرجل الذي قاده خلال المرحلة السابقة؟
الإجابة لن تحسمها تصريحات شوكي، ولا تصريحات خصومه، وإنما ستكشفها الممارسة اليومية داخل الحزب، وطريقة تدبير الملفات التنظيمية والسياسية، والأهم من ذلك طريقة استعداد التجمع الوطني للأحرار للاستحقاقات الانتخابية المقبلة.
فإذا نجح شوكي في بناء قيادة تحمل شخصيته وأسلوبه واختياراته، سيكون انتقال الرئاسة قد تحول إلى انتقال فعلي للقيادة. أما إذا ظل أخنوش المرجعية التي يعود إليها الحزب في القضايا الكبرى، فسيبقى السؤال قائماً حول ما إذا كان الحزب قد غيّر رئيسه فقط، أم أنه غيّر فعلاً مرحلة كاملة.
تعليقات الزوار