صوت الصحراء :هيئة التحرير
هناك أوطان لا تُرهقها الأزمات وحدها، وإنما يرهقها أيضًا أن يتولى إدارة أزماتها من لا يملكون من المسؤولية إلا لقبها، ومن الكفاءة إلا ما تسمح به المحسوبية، ومن الحضور إلا ما تمنحه لهم المناصب.
المشكلة لا تبدأ عندما يخطئ مسؤول، فالخطأ جزء من العمل العام، وإنما تبدأ عندما يصبح الخطأ قاعدة، ويصبح الاعتراف به جريمة، والنقد خيانة، والمساءلة استهدافًا، بينما يتحول التصفيق إلى معيار للولاء، والتبرير إلى وظيفة، وتجميل الواقع إلى “إنجاز”.
وحين تُسند المواقع المتقدمة إلى من لا يمتلكون ما يكفي من الكفاءة والخبرة والحكمة، فإن الخطر لا يبقى محصورًا في حدود مكتب أو إدارة. فالقرار العام له ثمن، وسوء التقدير لا يدفع ثمنه صاحبه وحده، وإنما يدفعه المواطن، وتدفعه المؤسسات، ويدفع الوطن من رصيده وسمعته وثقة أبنائه.
ثم تأتي مرحلة أكثر خطورة: مرحلة صناعة الصورة بدل صناعة الإنجاز.
يظهر المتحدثون ليحدثونا عن النجاحات، وتُرتب العبارات بعناية، وتُقدم الأرقام خارج سياقاتها، وتُرفع الشعارات إلى مرتبة الحقائق، حتى يكاد المواطن يشك في ما يراه ويعيشه. يصبح الواقع شيئًا، والخطاب الرسمي عنه شيئًا آخر.
وهنا تحديدًا تكمن الكارثة.
فالإعلام الذي يتحول إلى منصة لتبرير المسؤول بدل مساءلته، والمتحدث الذي يرى مهمته في الدفاع عن الأشخاص بدل شرح السياسات، لا يساعد المؤسسة على تجاوز أخطائها؛ بل قد يساهم، من حيث يدري أو لا يدري، في تكريسها.
الدولة لا تحتاج إلى من يقول لها دائمًا إنها بخير.
الدولة تحتاج إلى من يملك الشجاعة ليقول: هنا أخطأنا، وهنا قصّرنا، وهنا يجب أن نُصلح.
فليس من الوطنية أن نصفق لكل قرار، وليس من الحكمة أن نعتبر كل نقد مؤامرة، وليس من مصلحة الوطن أن نحمي المسؤول من الأسئلة الصعبة. المسؤول العام ليس فوق النقد، والمؤسسة التي تخشى النقد تتحول مع الوقت إلى مؤسسة تخشى الحقيقة.
والأشد قسوة أن يدفع هذا المناخ أصحاب الضمير إلى الصمت واليأس.
حين يرى المواطن أن الكفاءة تُهمّش، وأن أصحاب المواقف الصادقة يُدفعون إلى الهامش، وأن الأصوات التي تطرح الأسئلة تُواجه بالتجاهل أو التخوين، بينما يجد المصفقون طريقهم مفتوحًا، فإن الرسالة التي تصل إلى المجتمع تكون بالغة الخطورة: لا تقل الحقيقة، لا تسأل، لا تعترض، فقط صفّق.
لكن الأوطان لا تُبنى بالتصفيق.
الأوطان تُبنى بالكفاءة، والنزاهة، وتكافؤ الفرص، وربط المسؤولية بالمحاسبة، ووضع الرجل المناسب في المكان المناسب، واحترام عقل المواطن، والاعتراف بأن المصلحة العامة أكبر من الأشخاص والمناصب.
إن أخطر ما يمكن أن يصيب دولة ليس وجود مسؤول سيئ أو قرار خاطئ؛ وإنما أن تتوقف المؤسسات عن تصحيح أخطائها، وأن تتحول حماية الصورة إلى أولوية تفوق حماية المصلحة العامة.
فالأشخاص عابرون، والمناصب مؤقتة، أما الوطن فهو الباقي.
ولهذا فإن الأحرار حين يرفضون استباحة مقدرات أوطانهم، لا يفعلون ذلك بحثًا عن خصومة أو صراع، وإنما لأن هناك لحظات يصبح فيها الصمت مشاركة في الخطأ، ويصبح الكلام مسؤولية.
وبئس واقعٌ يُطلب فيه من الأحرار أن يصمتوا حتى لا ينزعج الفاسدون، وأن يتراجع الشرفاء حتى يتقدم الانتهازيون، وأن يُسمّى التطبيل حكمة، والمساءلة فوضى، والولاء للأشخاص ولاءً للوطن.
الوطن ليس ملكًا لمن يجلسون في المكاتب، ولا لمن يعتلون المنابر، ولا لمن يملكون القدرة على صناعة العناوين.
الوطن ملك أبنائه جميعًا.
ومن حق هؤلاء الأبناء أن يروا في مؤسساتهم كفاءةً ونزاهةً ومسؤولية، وأن يسمعوا الحقيقة لا الدعاية، وأن تكون المناصب العامة أمانة لا غنيمة، وأن يكون صوت المواطن جزءًا من عملية الإصلاح لا صوتًا مزعجًا ينبغي إسكاتُه.
وفي النهاية، سيبقى السؤال الحقيقي أكبر من أسماء الأشخاص:
هل نريد دولةً تُصلح أخطاءها عندما تقع، أم منظومةً تنشغل بإخفاء الأخطاء وتلميع أصحابها؟
ذلك هو الامتحان الحقيقي.
لأن الوطن لا يخسر فقط عندما يُساء تدبيره، بل يخسر أكثر عندما يصبح الفشل قابلًا للتبرير، والفساد قابلًا للتجميل، والصمت هو الثمن الذي يُطلب من الأحرار دفعه.
تعليقات الزوار