عندما سبق الخطاب المسطرة.. كيف فجّر ملف توسعة مطار الداخلة جدلا حول الملكية والاختصاص؟

صوت الصحراء: المحرر السياسي

لم يعد الجدل حول توسعة مطار الداخلة مرتبطا بالمشروع في حد ذاته، بل بالطريقة التي أدار بها رئيس جماعة الداخلة ملفا يمس حقوقا عقارية لمواطنين، ويتجاوز من حيث طبيعته القانونية حدود الاختصاص المباشر للجماعة.
فبين الحديث عن المصادقة، والتلويح بسحب البقع، ثم العودة إلى تقديم التطمينات، ظهر خطاب مرتبك سبق الوثائق والمساطر، وفتح باب الخوف والاحتجاج في ملف كان يفترض أن يعالج منذ البداية بوضوح قانوني ومسؤولية سياسية.
نحو خمس سنوات من الصمت
انتخب رئيس جماعة الداخلة على رأس المجلس خلال شتنبر 2021، وأعلن مشروع توسعة المطار بعد ذلك بأسابيع قليلة. ومع ذلك، لم يظهر تدخله في الملف إلا بعد مرور نحو خمس سنوات، وبعد أن أصبح المشروع في مرحلة متقدمة وأثار مخاوف مرتبطة بمصير البقع العقارية.
وهنا يطرح السؤال: أين كان رئيس الجماعة خلال هذه المدة؟ وهل كان تدخله المبكر، في مرحلة الدراسات والاختيارات الأولية، سيسمح بالترافع عن مسار بديل وتفادي الاحتقان الحالي؟
لا يمكن الجزم بأنه كان قادرا على تغيير المشروع، لأن القرار لا يعود إلى الجماعة وحدها، لكن المؤكد أن التدخل في بدايته كان سيكون أكثر جدوى من محاولة معالجة آثاره بعد تقدم مساره التقني.
من الدفاع عن المشروع إلى إثارة الخوف
بتاريخ 5 دجنبر 2023، نقلت جريدة Le360 عن رئيس جماعة الداخلة اعتباره تطوير مطار الداخلة مطلبا حيويا للساكنة ورافعة للسياحة والاستثمار.
كان ذلك موقفا سياسيا مشروعا، يدخل ضمن دور المنتخب في الدفاع عن المشاريع الكبرى. غير أن الإشكال بدأ عندما انتقل خطاب رئيس الجماعة من دعم توسعة المطار إلى الحديث عن احتمال سحب بقع أرضية من مستفيدين.
فالحديث عن مشروع تنموي شيء، والحديث عن مصير ممتلكات المواطنين شيء آخر تماما. الأول موقف سياسي، أما الثاني فيخضع لاختصاصات ومساطر قانونية لا يملك رئيس الجماعة اختزالها في تصريح.
مصادقة أم مجرد إبداء للرأي؟
خلال الدورة الاستثنائية المنعقدة يوم 16 يوليوز 2026، قدمت مخرجات المجلس باعتبارها مصادقة على مشروع مراجعة مخطط توجيه التهيئة العمرانية لخليج وادي الذهب.
غير أن القانون رقم 12.90 المتعلق بالتعمير لا يمنح المجلس الجماعي سلطة الموافقة النهائية على هذا المخطط. فالمشروع يحال إلى المجالس الجماعية لدراسته وإبداء الاقتراحات والملاحظات، قبل أن توافق عليه الإدارة المختصة.
وبذلك، فإن الحديث عن المصادقة دون شرح طبيعتها القانونية خلق انطباعا بأن المجلس حسم المخطط نهائيا، في حين أن دوره لا يتجاوز إبداء الرأي داخل مسطرة إدارية أوسع.
وهذا ليس مجرد خطأ في التعبير، بل خلط بين المصادقة على موقف المجلس والموافقة النهائية على وثيقة تعميرية، وهو خلط يكشف، في الحد الأدنى، قصورا واضحا في تقديم حدود الاختصاص للرأي العام.
سحب البقع قبل وجود المسطرة
بعد الدورة، نسبت جريدة أحداث الداخلة إلى رئيس جماعة الداخلة تصريحات بشأن إمكانية سحب بقع بمنطقة الهناء في سياق توسعة المطار.
وهنا انفجر السؤال الذي كان يجب طرحه قبل التصريح: بأي صفة يتحدث رئيس الجماعة عن سحب البقع؟
فنزع الملكية لا يتم بقرار شفهي، ولا بمداولة جماعية، ولا بتقدير سياسي لرئيس مجلس منتخب، بل يخضع للقانون رقم 7.81، ويقتضي إعلان المنفعة العامة، وتحديد العقارات، وإجراء البحث الإداري، واللجوء إلى القضاء، وضمان التعويض.
وعند صدور تلك التصريحات، لم يكن منشورا أمام المواطنين مقرر للمنفعة العامة يحدد البقع المعنية، ولا مقرر للتخلي، ولا بحث إداري لنزع الملكية، ولا تصميم رسمي نهائي يثبت أن بقع الهناء ستدخل حتما في وعاء المشروع.
لذلك، فإن الحديث عن سحب البقع قبل ظهور السند القانوني لم يكن مجرد زلة تواصلية، بل تصريحا ذا أثر مباشر على الأمن العقاري والنفسي للمواطنين.
انسحاب محمد سالم حمية يسقط رواية الإجماع
في مقابل الخطاب الذي تحدث عن المصادقة بالإجماع، انسحب محمد سالم حمية، رئيس المجلس الإقليمي لوادي الذهب وعضو مجلس جماعة الداخلة، من الجلسة قبل المشاركة في التصويت على النقطة موضوع الجدل.
هذا الانسحاب يسقط سياسيا وإعلاميا وصف الإجماع، حتى وإن لم يؤد بالضرورة إلى بطلان المقرر متى استمر النصاب وتوفرت الأغلبية القانونية.
فلا يمكن الحديث عن إجماع كامل في وجود عضو بارز اختار مغادرة الجلسة وعدم تحمل مسؤولية التصويت.
ويمكن اعتبار موقف محمد سالم حمية دليلا على حنكة سياسية واحتراز مؤسساتي في الابتعاد عن ملف عقاري حساس، لم تكن آثاره واضحة، وقد يتحول لاحقا إلى مصدر للمساءلة السياسية والاجتماعية.
ومن دون الجزم بدوافعه، فإن انسحابه يكشف أن النقطة لم تكن محل التوافق الكامل الذي حاولت بعض البلاغات إظهارها به.
اجتماع مع “ممثلي” أصحاب البقع
بعد تصاعد الاحتقان، عقد رئيس جماعة الداخلة اجتماعا مع أشخاص قدموا باعتبارهم “ممثلي أصحاب البقع”.
غير أن وضع كلمة “ممثلي” بين قوسين يبقى ضروريا، في غياب نشر لائحة رسمية للحاضرين، أو تفويضات ووكالات تثبت أنهم يتحدثون باسم جميع الملاك والمستفيدين.
ولا يعني ذلك الجزم بانعدام صفتهم، لكنه يجعل تمثيليتهم محل تساؤل مشروع. فالحضور إلى اجتماع، أو ممارسة الوساطة والوكالة العقارية، لا يمنح صاحبه تلقائيا صفة تمثيل جميع أصحاب الحقوق.
وخلال الاجتماع، عاد رئيس الجماعة ليؤكد أن الجماعة لم تمنح تلك البقع ولا تملك قانونا سحبها، وقدم تطمينات بعدم المساس بممتلكات المواطنين.
لكن هذا التصريح، بدل أن يغلق الملف، أعاد فتح السؤال نفسه: إذا كانت الجماعة لا تملك سحب البقع، فلماذا تحدث رئيسها سابقا عن احتمال سحبها؟
معالجة للموضوع أم تدارك لخطأ؟
انتقل رئيس جماعة الداخلة من دعم المشروع، إلى الحديث عن سحب البقع، ثم إلى عقد اجتماعات وتقديم ضمانات بعدم المساس بها.
وهنا يطرح السؤال السياسي الحقيقي: هل يحاول رئيس الجماعة معالجة ملف تابع تطوره منذ البداية، أم يحاول تدارك خطأ تواصليا وقانونيا ساهم في صنعه؟
لو كان رئيس الجماعة قد تدخل مبكرا، وطالب بالتصاميم، وفتح النقاش داخل المجلس، وترافع عن البدائل قبل تقدم الدراسات التقنية، لكان من الممكن أن يقدم اليوم باعتباره مدافعا عن حقوق السكان.
أما التدخل بعد خمس سنوات، وبعد إثارة الخوف، وبعد خروج المواطنين للاحتجاج، فيجعل الدفاع الحالي أقرب إلى محاولة احتواء أزمة من صنع خطاب مرتبك، لا إلى قيادة سياسية استباقية للملف.
المطلوب اليوم ليس اجتماعا جديدا ولا تطمينات إضافية، بل نشر محضر الدورة، ونتائج التصويت، والتصميم الذي عرض على المجلس، والتحفظات المقدمة بشأنه، والوثائق التي تحدد العقارات التي يمكن أن تتأثر بالمشروع.
ففي دولة القانون، وهي عبارة استخدمها رئيس الجماعة أكثر من مرة في خطاباته الأخيرة، لا تسحب الملكية بالتصريحات، ولا تحفظ بالتطمينات، ولا تصان حقوق المواطنين بالوعود الشفهية، بل بإجراءات إدارية واضحة، ووثائق رسمية منشورة، ومساطر قانونية معلنة.
كك 99أأأك. 9 9ح

تعليقات الزوار
جاري تحميل التعاليق...

شاهد أيضا

يستخدم هذا الموقع ملفات تعريف الارتباط لتحسين تجربتك. سنفترض أنك موافق على هذا ، ولكن يمكنك إلغاء الاشتراك إذا كنت ترغب في ذلك. موافقالمزيد