قانون جديد للعدول يدخل مرحلة جديدة: رقمنة التوثيق وتشديد المسؤولية ودمج النساخ

صوت الصحراء

دخل تنظيم مهنة العدول بالمغرب مرحلة قانونية جديدة، بعد نشر القانون رقم 051.26 المتعلق بتنظيم المهنة في العدد 7533 من الجريدة الرسمية، بموجب الظهير الشريف رقم 1.26.58 الصادر في 13 صفر 1448 الموافق لـ28 يوليوز 2026، وذلك عقب مصادقة مجلسي البرلمان عليه، وبعد مسار تشريعي أثار نقاشا واسعا على المستويات المهنية والقانونية والاجتماعية.

ويأتي صدور القانون الجديد عقب جدل رافق عددا من مقتضيات النص، وصل إلى المحكمة الدستورية التي أصدرت في يونيو 2026 قرارا بعدم دستورية بعض الأحكام، قبل أن يعاد النظر في الصيغة التشريعية والمصادقة على النسخة المعدلة.

ومن المنتظر أن يدخل القانون حيز التنفيذ بعد مرور 90 يوما على نشره بالجريدة الرسمية، ليعوض الإطار القانوني السابق، ويضع قواعد جديدة لتنظيم مهنة العدول، من شروط الولوج إليها، إلى ممارسة المهام وتحرير العقود وحفظها، مرورا بالمراقبة والتفتيش والتأديب، وانتهاء بهيكلة الهيئة الوطنية والمجالس الجهوية والأحكام الانتقالية.

شروط أكثر دقة للالتحاق بالمهنة

يكرس القانون صفة العدل باعتباره مساعدا للقضاء يمارس مهنة حرة، مع إلزامه بالتقيد بقواعد الأمانة والنزاهة والتجرد والمروءة والشرف والوقار، إلى جانب المحافظة على السر المهني وصيانة مكانة المهنة.

ويشترط للولوج إلى المهنة أن يكون المترشح مغربيا ومسلما، وأن يكون قد أتم 21 سنة وألا يتجاوز 45 سنة عند إجراء المباراة، مع استثناءات لفائدة بعض الموظفين الحاصلين على الدكتوراه والذين راكموا عشر سنوات من الممارسة الفعلية في الوظيفة العمومية.

كما حدد القانون الشهادات المطلوبة، ومنها الإجازة في الشريعة أو أصول الدين أو الدراسات الإسلامية، أو الإجازة في العلوم القانونية، فضلا عن الشهادات المعادلة، مع اشتراط التمتع بالحقوق المدنية وحسن السلوك والقدرة الصحية اللازمة، واستيفاء الوضعية المتعلقة بالخدمة العسكرية.

ولا يفتح القانون الباب أمام أشخاص صدرت في حقهم أحكام نهائية في جرائم معينة، خصوصا تلك المرتبطة بالأموال والتزوير، كما يستبعد من صدرت في حقهم عقوبات مهنية نهائية تمس شرف المهنة، من قبيل التشطيب أو العزل أو الإعفاء أو سحب الترخيص.

ويبقى اجتياز مباراة الولوج، ثم التمرين والنجاح في امتحانه، شرطا أساسيا في المسار العادي للالتحاق بالمهنة.

سنتان من التكوين والتمرين

أناط القانون بالسلطة الحكومية المكلفة بالعدل مهمة تنظيم مباراة الولوج وامتحان نهاية التمرين.

ويمتد المسار التكويني إلى 24 شهرا، موزعة بين ستة أشهر من التكوين الأساسي و18 شهرا من التدريب بمكتب عدلي، قبل المرور إلى امتحان نهاية التمرين.

وفي المقابل، وضع المشرع مقتضيات خاصة تسمح بإعفاء فئات مهنية محددة من المباراة، أو من المباراة والتمرين والامتحان، وفق شروط مرتبطة بالأقدمية والنسب المحددة قانونا.

العدل أمام مسؤوليات مهنية أوسع

لم يكتف القانون بتحديد شروط الولوج، بل شدد أيضا القواعد المتعلقة بممارسة المهنة.

فكل عدل ملزم بفتح مكتب داخل دائرة المحكمة الابتدائية التي عين بها، والتسجيل في جدول المجلس الجهوي، وأداء اليمين، وإبرام تأمين عن المسؤولية المدنية، فضلا عن مسك السجلات والوثائق التي يفرضها القانون والالتزام بالقواعد والإجراءات الإلكترونية.

كما وسع القانون نطاق حالات التنافي، حيث يمنع الجمع بين مهنة العدول وعدد من المهن والوظائف، من بينها القضاء والمحاماة والتوثيق والمفوضية القضائية والترجمة المحلفة والخبرة القضائية، إضافة إلى بعض الأنشطة التجارية ومهام الإدارة والتسيير داخل الشركات، مع استثناء بعض الأنشطة العلمية والأدبية والفنية والرياضية المأذون بها.

ويضع القانون السر المهني في صلب واجبات العدل، مع إلزامه بإعداد ملفات خاصة بالعقود والشهادات ومسك سجلات للبيانات والعمليات المالية.

كما يمنع عليه تقاضي أتعاب تتجاوز التعريفة القانونية أو تحصيل مبالغ خارج المصاريف المسموح بها، واستعمال اسم الغير لتحقيق مصالح شخصية، أو تضمين العقود مقتضيات تعود عليه بمنفعة شخصية، أو ممارسة أي سلوك من شأنه التأثير على حياده واستقلاله.

مسؤولية مدنية وتأمين إجباري

يحمل القانون العدل مسؤولية البيانات التي يضمنها في العقود والشهادات، كما يرتب مسؤوليته المدنية عن الأضرار الناجمة عن أخطائه المهنية أو أخطاء أجرائه والمتمرنين لديه.

ولمواجهة هذه المسؤوليات، أصبح التأمين عن المسؤولية المدنية التزاما قانونيا.

كما فرض القانون على العدول الذين بلغوا سن 70 سنة الإدلاء، كل سنة، بشهادة طبية تثبت قدرتهم الصحية على مواصلة ممارسة المهنة، بالتوازي مع إلزام جميع الممارسين بالتكوين المستمر.

الرقمنة تدخل قلب العمل العدلي

من أبرز التحولات التي يحملها القانون الجديد الانتقال نحو توثيق أكثر اعتمادا على الوسائل الرقمية.

فقد حدد القانون بدقة قواعد تلقي وتحرير العقود والشهادات، وألزم العدول بالتحقق من هوية الأطراف وصفاتهم وأهليتهم، والتأكد من مطابقة الوثائق للقانون، مع تقديم المشورة وشرح الآثار القانونية للعقد أو الشهادة للأطراف.

كما وضع ضوابط تتعلق بشكل الوثائق ومضمونها ولغتها وترقيمها وتوقيعاتها، مع إمكانية اعتماد التوقيع الإلكتروني المؤهل وفقا للتشريع الجاري به العمل.

ولا تتوقف الرقمنة عند مرحلة تحرير الوثيقة، إذ يفرض القانون حفظ أصول العقود والشهادات ونظائرها وسجلات البيانات بشكل دائم، والاحتفاظ بنسخ الوثائق والمستندات المرفقة لمدة عشر سنوات.

كما ينص على الحفظ الإلكتروني للوثائق العدلية تحت إشراف السلطة الحكومية المكلفة بالعدل، مع إلزام كل عدل بإيداع الوثائق إلكترونيا وبشكل يومي عبر المنصة الرقمية المخصصة لهذا الغرض.

شهادة اللفيف بضوابط جديدة

أولى القانون أيضا عناية خاصة لشهادة اللفيف، محددا شروطها وإجراءاتها.

وينص على ألا يقل عدد شهودها عن 12 شاهدا، مع تحديد شروط الأهلية والقواعد المتعلقة بالاستماع إليهم وتحرير الشهادة وإثباتها.

كما نظم القانون مسطرة خطاب العقود والشهادات، وأخضعها للمراقبة من طرف القاضي المكلف بالتوثيق قبل اكتسابها الصبغة الرسمية.

التأديب من الإنذار إلى العزل

وفي الجانب التأديبي، اعتمد القانون سلما للعقوبات يتدرج بحسب طبيعة المخالفة وخطورتها، من الإنذار والتوبيخ، إلى الإيقاف عن ممارسة المهنة لمدة قد تصل إلى ستة أشهر، وصولا إلى العزل.

وفي المقابل، ضمن القانون للعدل المعني بالتأديب مجموعة من حقوق الدفاع، من بينها الاطلاع على ملفه والاستعانة بمحام أو بأحد زملائه، مع إمكانية الطعن في المقررات التأديبية أمام القضاء الإداري المختص.

حماية المهنة ومنع الإشهار

ومن أجل حماية مكانة المهنة، يمنح القانون العدل أثناء مزاولة مهامه الحماية القانونية المنصوص عليها في مجموعة القانون الجنائي.

كما يخصص له خاتما وبطاقة مهنية وبذلة مهنية وفق نماذج محددة، في وقت يحظر عليه اللجوء إلى الإشهار أو الدعاية أو أي وسيلة تستهدف استمالة طالبي الإشهاد.

وفي المقابل، يسمح القانون، وفق شروط وضوابط محددة، بإنشاء موقع إلكتروني مهني.

وتتراوح الغرامة المقررة لمخالفة قواعد الإشهار بين 15 ألفا و30 ألف درهم.

دمج النساخ في مهنة العدول

وفتح القانون الجديد، ضمن أحكامه الانتقالية، الباب أمام النساخ الممارسين للاندماج في مهنة العدول، وفق شروط محددة.

ويتعين على الراغبين في الاستفادة من هذا المسار تقديم طلباتهم داخل أجل ثلاثة أشهر، مع الخضوع لفترة تدريب تمتد إلى ثلاثة أشهر، وفق الشروط والإجراءات التي حددها القانون.

كما نصت الأحكام الانتقالية على استمرار الأجهزة الحالية للهيئة الوطنية للعدول والمجالس الجهوية في أداء مهامها إلى حين انتخاب الأجهزة الجديدة، وفقا للآجال والمساطر المنصوص عليها.

وبذلك يضع القانون رقم 051.26 مهنة العدول أمام مرحلة مختلفة، عنوانها الأبرز إعادة ضبط شروط الولوج، وتوسيع المسؤولية المهنية، وتشديد آليات المراقبة والتأديب، وربط العمل العدلي بالتحول الرقمي، إلى جانب إعادة ترتيب العلاقة بين مختلف مكونات منظومة التوثيق، وفي مقدمتها العدول والنساخ.

ومع دخوله حيز التنفيذ بعد 90 يوما من نشره في الجريدة الرسمية، سيبدأ اختبار المقتضيات الجديدة على أرض الواقع، خصوصا ما يتعلق بالرقمنة، والتكوين، والمسؤولية المدنية، والمراقبة، وتأهيل المهنة لمواكبة التحولات التي يعرفها قطاع العدالة بالمغرب.

تعليقات الزوار
جاري تحميل التعاليق...

شاهد أيضا

يستخدم هذا الموقع ملفات تعريف الارتباط لتحسين تجربتك. سنفترض أنك موافق على هذا ، ولكن يمكنك إلغاء الاشتراك إذا كنت ترغب في ذلك. موافقالمزيد