ما وراء زيارة سانشيز إلى الجزائر.. حسابات الطاقة والأمن تتقدم على الخلافات

صوت الصحراء المحرر السياسي
في الدبلوماسية، لا تُقاس أهمية الزيارات الرسمية ببروتوكول الاستقبال أو توقيتها فحسب، بل بما تعكسه من رسائل سياسية وما تمهد له من تحولات في العلاقات بين الدول. ومن هذا المنطلق، تكتسب زيارة رئيس الحكومة الإسبانية بيدرو سانشيز إلى الجزائر أهمية خاصة، إذ تأتي بعد نحو أربع سنوات من واحدة من أكثر الأزمات الدبلوماسية تعقيدًا في تاريخ العلاقات الجزائرية الإسبانية، وفي وقت تتزايد فيه رهانات الأمن والطاقة والاستقرار في غرب البحر الأبيض المتوسط.
ورغم أن الزيارة جاءت بعد يوم واحد من تتويج المنتخب الإسباني بلقب كأس العالم 2026، فإن هذا التزامن يبدو أقرب إلى المصادفة الزمنية منه إلى كونه العامل المحدد لأجندة الزيارة. فالملفات التي حملها سانشيز إلى الجزائر تتجاوز البعد الرمزي، وتندرج ضمن محاولة لإعادة بناء الثقة بين بلدين فرضت الجغرافيا عليهما شراكة استراتيجية، حتى في أكثر مراحل الخلاف السياسي حدة.
لقد شكلت أزمة عام 2022 نقطة تحول في العلاقات الثنائية، عندما غيرت مدريد موقفها من قضية الصحراء وأعلنت دعمها لمبادرة الحكم الذاتي المغربية. وردت الجزائر بإجراءات دبلوماسية واقتصادية عكست حجم الاعتراض على ذلك التحول، ما أدى إلى تجميد جانب كبير من التعاون السياسي وتراجع المبادلات التجارية. غير أن الأزمة لم تصل إلى حد القطيعة الكاملة، إذ حافظ الطرفان على حد أدنى من التعاون، خاصة في قطاع الطاقة، وهو ما أكد أن المصالح الاستراتيجية كانت أقوى من أن تنهار بالكامل تحت وطأة الخلاف السياسي.
اليوم، تبدو الظروف مختلفة. فإسبانيا تواجه تحديات متزايدة تتعلق بأمن الطاقة، وإدارة تدفقات الهجرة، والتعامل مع الأوضاع الأمنية في الساحل الإفريقي، وهي ملفات تمنح الجزائر وزنًا متزايدًا في الحسابات الإسبانية والأوروبية. وفي المقابل، تنظر الجزائر إلى إسبانيا باعتبارها شريكًا اقتصاديًا مهمًا وبوابة رئيسية إلى الأسواق الأوروبية، كما تدرك أن استقرار العلاقات مع مدريد يخدم موقعها الإقليمي ويعزز قدرتها على توسيع شراكاتها مع الاتحاد الأوروبي.
ولا يبدو أن الزيارة تعكس تغييرًا في مواقف أي من الطرفين تجاه القضايا الخلافية، بل تشير إلى انتقالهما نحو إدارة تلك الخلافات ضمن إطار أكثر براغماتية. فمن غير المتوقع أن تتراجع مدريد عن مواقفها المعلنة في المدى القريب، كما لا توجد مؤشرات على تعديل الجزائر لموقفها التقليدي من قضية الصحراء. وعليه، فإن الرهان الحقيقي لا يتمثل في إزالة أسباب الخلاف، بل في منعها من تعطيل التعاون في الملفات التي تفرضها المصالح المشتركة.
وتكشف هذه المقاربة عن تحول أوسع في العلاقات الدولية، حيث باتت الدول تميل إلى الفصل بين الخلافات السياسية والتعاون الاقتصادي والأمني. وفي الحالة الجزائرية الإسبانية، تبدو الطاقة المثال الأوضح على ذلك؛ إذ استمرت إمدادات الغاز رغم الأزمة، بما يعكس إدراكًا متبادلًا بأن أمن الطاقة لم يعد مجرد ملف اقتصادي، بل أصبح جزءًا من الأمن القومي للطرفين.
كما أن البيئة الإقليمية تمنح الزيارة أهمية إضافية. فالتحولات التي تعرفها منطقة الساحل، والتحديات الأمنية في ليبيا، والضغوط المرتبطة بالهجرة غير النظامية، جميعها تجعل من التنسيق بين الجزائر وإسبانيا ضرورة عملية أكثر منه خيارًا سياسيًا. وإلى جانب ذلك، يسعى الاتحاد الأوروبي إلى تعزيز حضوره في جنوب المتوسط عبر شراكات تقوم على المصالح المتبادلة، وهو ما يمنح الجزائر هامشًا أوسع للحركة في علاقاتها مع العواصم الأوروبية.
ورغم المؤشرات الإيجابية، فإن نجاح هذه الزيارة لن يقاس بالتصريحات الدبلوماسية أو الصور الرسمية، بل بقدرة الطرفين على ترجمة التفاهمات إلى خطوات عملية، تشمل تنشيط المبادلات التجارية، وتعزيز الاستثمارات، وإطلاق مشاريع مشتركة في مجالات الطاقة والبنية التحتية والطاقات المتجددة، إضافة إلى إعادة انتظام آليات التشاور السياسي.
وفي النهاية، تبدو زيارة بيدرو سانشيز إلى الجزائر تعبيرًا عن عودة الواقعية إلى العلاقات بين البلدين. فهي لا تعني نهاية الخلافات، لكنها تعكس اعترافًا متبادلًا بأن استمرارها لا ينبغي أن يحول دون التعاون في الملفات التي تمس الأمن والاستقرار والاقتصاد. وإذا نجح الطرفان في تحويل هذا الإدراك إلى سياسات مستدامة، فقد تشكل الزيارة بداية مرحلة جديدة من العلاقات الثنائية، تقوم على إدارة الاختلافات وتوسيع مساحات المصالح المشتركة، وهو النهج الذي بات يطبع كثيرًا من العلاقات الدولية في بيئة إقليمية ودولية تتسم بتعقيد متزايد.

تعليقات الزوار
جاري تحميل التعاليق...

شاهد أيضا

يستخدم هذا الموقع ملفات تعريف الارتباط لتحسين تجربتك. سنفترض أنك موافق على هذا ، ولكن يمكنك إلغاء الاشتراك إذا كنت ترغب في ذلك. موافقالمزيد