صوت الصحراء
يتواصل النقاش داخل الأوساط المهنية والبحرية حول مشروع القانون الجديد المتعلق بالنظام الأساسي لغرف الصيد البحري، في ظل تزايد الملاحظات التي تعتبر أن النص المقترح، رغم توجهه نحو تعويض القانون رقم 4.97 المعمول به منذ سنوات طويلة، مازال يفتقد إلى تصور عملي واضح يعيد تعريف أدوار الغرف المهنية البحرية ويمنحها اختصاصات حقيقية تتماشى مع التحولات التي يعرفها قطاع الصيد البحري بالمغرب.
ويرى متابعون للشأن البحري أن المشروع حافظ إلى حد بعيد على الطابع الاستشاري والتمثيلي لغرف الصيد البحري، دون أن ينتقل بها إلى مستوى مؤسسات مهنية تمتلك صلاحيات تقريرية وآليات تدخل ميدانية تمكنها من لعب أدوار أكثر تأثيراً في تدبير قضايا القطاع والدفاع عن انتظارات المهنيين.
وفي هذا السياق، اعتبر محمد العطلاتي، الباحث في تدبير الشأن المحلي بطنجة، أن مشروع القانون الجديد لم يحسم بشكل دقيق في طبيعة الوظيفة الحقيقية لغرف الصيد البحري، موضحاً أن النص مازال يخلط بين أدوار المؤسسة العمومية والوظائف ذات الطابع النقابي، خاصة عندما يتحدث عن “الدفاع عن الحقوق والمصالح الاجتماعية والاقتصادية للفئات المهنية”.
وأوضح العطلاتي أن الصياغة المعتمدة في المشروع يغلب عليها الطابع العام والفضفاض، من خلال استعمال عبارات مثل “المساهمة” و”الدعم” و”المشاركة” و”المواكبة”، وهي مصطلحات، بحسب تعبيره، لا تحدد بدقة طبيعة الاختصاصات ولا آليات تنفيذها أو حدود المسؤولية المرتبطة بها، ما يجعل عدداً من المقتضيات مفتوحاً على التأويل أكثر من ارتباطه بالتنزيل العملي.
وأضاف الباحث أن المشروع أبقى الغرف في إطار أدوار استشارية محضة، من خلال الاقتصار على تقديم الآراء والمقترحات والمشاركة في إعداد التصورات المرتبطة بقطاع الصيد البحري، دون منحها صلاحيات تقريرية فعلية أو اختصاصات تنفيذية واضحة، وهو ما قد يحد من فعاليتها المؤسساتية ومن قدرتها على التفاعل المباشر مع الإشكالات اليومية التي يعرفها القطاع.
كما أثار المتحدث ذاته الانتباه إلى أن بعض المقتضيات المتعلقة بدعم البحث العلمي البحري أو الاستثمار أو التسويق أو مواكبة التعاونيات المهنية، تظل غير واضحة من حيث الإمكانيات والموارد والآليات القانونية والمالية الكفيلة بتنفيذها، معتبراً أن المشروع يتحدث عن أهداف عامة دون وضع أدوات دقيقة لتحقيقها.
وفي الجانب التنظيمي، سجل مهنيون ومتابعون عدة ملاحظات مرتبطة بإحداث مديرية داخل الغرف وتعيين مدير يتولى التسيير الإداري والمالي وتنفيذ قرارات الأجهزة المنتخبة، حيث يرى البعض أن استمرار خضوع هذه التعيينات لموافقة سلطة الوصاية يكرس منطق الرقابة الإدارية التقليدية، ويطرح تساؤلات مرتبطة بمبدأ ربط المسؤولية بالمحاسبة داخل هذه المؤسسات.
كما أثار المشروع نقاشاً حول تقليص عدد دورات الجمعيات العامة إلى دورتين عاديتين فقط في السنة، مقابل تمديد مدة انتداب الرؤساء والمكاتب المسيرة إلى ست سنوات، وهو ما اعتبرته بعض الهيئات المهنية توجهاً قد يقلص من دينامية النقاش الداخلي ومن فرص تقييم الأداء وتتبع تنفيذ البرامج داخل الغرف.
وفي سياق متصل، برزت داخل عدد من الأوساط المهنية مطالب بإعادة النظر في تركيبة الغرف البحرية بما يضمن تمثيلية أوسع لمهنيي الصيد التقليدي، خاصة في عدد من الموانئ والقرى الساحلية التي يشكل فيها هذا النشاط العمود الفقري للاقتصاد المحلي. وترى هذه الجهات أن الصيد التقليدي مازال لا يحظى بالتمثيلية التي تعكس حجمه الحقيقي داخل المنظومة البحرية، سواء من حيث عدد البحارة أو القوارب أو الامتداد الاجتماعي والاقتصادي للقطاع.
كما تطالب فعاليات مهنية بإدماج فئات بحرية أخرى داخل البنية التمثيلية للغرف، بما يسمح بتوسيع قاعدة المشاركة المهنية وإشراك مختلف المتدخلين في سلاسل الإنتاج والتسويق والتثمين، معتبرة أن المرحلة الحالية تستدعي نموذجاً أكثر انفتاحاً وقدرة على استيعاب التحولات التي يعرفها الاقتصاد الأزرق ومهن البحر.
وفي الجانب المالي، يرى متابعون أن الموارد المنصوص عليها في المشروع، رغم تنوعها النظري بين إعانات وهبات واشتراكات وقروض، تبقى في الواقع محدودة الأثر، مقابل استمرار اعتماد الغرف بشكل شبه كلي على التحويلات العمومية والرسوم المخصصة لها، ما يطرح إشكالية الاستقلال المالي وقدرة هذه المؤسسات على إطلاق برامج تنموية حقيقية أو خدمات مهنية مستدامة.
كما عاد النقاش ليثار حول استمرار إلزام غرف الصيد البحري بالانتظام ضمن جامعة غرف الصيد البحري الخاضعة لقانون الجمعيات، وهو ما يعتبره بعض المهتمين بالشأن القانوني وضعاً يطرح نوعاً من التداخل بين مؤسسات عمومية تخضع للقانون العام وهيئات منظمة وفق ظهير الحريات العامة.
ويؤكد عدد من الفاعلين المهنيين أن قطاع الصيد البحري، الذي يعد من القطاعات الحيوية داخل الاقتصاد الوطني، بات بحاجة إلى مراجعة شاملة لمنظومة الغرف المهنية، بما يضمن وضوح الاختصاصات، وتقوية أدوار التأطير والمواكبة، وتحقيق تمثيلية مهنية متوازنة تعكس واقع القطاع بمختلف مكوناته، خاصة في ظل التحديات المرتبطة بتدبير المصايد، وتثمين المنتوجات البحرية، وتحسين الأوضاع الاجتماعية للبحارة، ومواكبة التحولات المرتبطة بالتنمية المستدامة والاقتصاد البحري.
تعليقات الزوار