صوت الصحراء: المحرر السياسي
لم يبدأ الجدل في الداخلة مع الإعلان عن توسعة المطار، بل بدأ يوم تحولت ملفات العقار إلى قضايا مؤجلة، وترك تدبيرها يتراكم دون حسم أو مراجعة. واليوم، أعادت توسعة مطار الداخلة فتح هذا الملف من أوسع أبوابه، ليتجاوز النقاش حدود المشروع نفسه نحو سؤال أكثر عمقًا: هل المشكلة في المطار، أم في الطريقة التي دُبِّر بها العقار خلال السنوات الماضية؟
فمشروع توسعة مطار الداخلة ليس قرارًا مفاجئًا، بل يدخل ضمن رؤية تنموية أعلن عنها منذ سنة 2021، وجرى الحديث آنذاك عن رفع الطاقة الاستيعابية للمطار ومواكبة النمو الاقتصادي والسياحي الذي تعرفه الجهة. ومع ذلك، لم يبرز النقاش العمومي إلا اليوم، وهو ما يثير تساؤلات حول دور المؤسسات والمنتخبين والفاعلين المحليين في مواكبة هذا الورش منذ الإعلان عنه.
ومن الناحية العملية، فإن الخيارات المطروحة ليست كثيرة؛ فإما توسيع المطار الحالي، أو تشييد مطار جديد في موقع آخر. غير أن الخيار الثاني لا يقتصر على اختيار قطعة أرض بديلة، بل يستلزم استثمارات ضخمة، ودراسات تقنية وبيئية معقدة، وإنجاز بنية تحتية متكاملة من طرق وشبكات وتجهيزات، وهو ما يجعل أي نقاش مسؤول مطالبًا بالاستناد إلى المعطيات التقنية والاقتصادية، بعيدًا عن الشعارات أو الحسابات الظرفية.
وفي المقابل، فإن حماية حقوق المواطنين تظل مبدأ لا يقبل النقاش. فكل من يثبت تضرره بشكل مباشر من أي مشروع ذي منفعة عامة، وله حق قانوني ثابت، ينبغي أن يستفيد من التعويض وفق ما ينص عليه القانون. لكن هذا المبدأ يختلف عن تعويض آثار المضاربة العقارية أو تصحيح اختلالات راكمتها سنوات من سوء تدبير الاستفادات العقارية.
وبحسب المعطيات المتداولة، فإن الإشكال لا يرتبط بأحياء آهلة بالسكان أو منازل قائمة مهددة بالإزالة، وإنما ببقع أرضية لم تعرف البناء رغم مرور ما يقارب أربعة عشر عامًا على تفويتها. وهنا تبرز أسئلة لا يمكن تجاهلها: على أي أساس مُنحت هذه البقع؟ وهل كانت موجهة لمعالجة الطلب على السكن أم لتعويض فئات معينة؟ وهل ظل المستفيدون الأصليون يحتفظون بحقهم فيها، أم انتقلت إلى أطراف أخرى عبر البيع أو التنازل؟ وهل احترمت جميع عمليات التفويت الضوابط القانونية؟
الإجابة عن هذه الأسئلة لا تستهدف الأشخاص، وإنما تستدعي افتحاصًا مؤسساتيًا شفافًا يراجع لوائح المستفيدين، ويتحقق من مدى احترام شروط الاستفادة، ويكشف ما إذا كانت تلك الأراضي قد استعملت للغرض الذي منحت من أجله، أم تحولت إلى وسيلة للمضاربة وانتظار ارتفاع الأسعار.
فليس كل من يحمل وثيقة استفادة يعد مالكًا نهائيًا للعقار، كما أن شراء حق استفادة خارج المساطر القانونية لا يرتب بالضرورة التزامًا على الدولة بتحمل نتائج تلك المعاملات. لذلك، فإن حماية الحقوق المشروعة واجب، أما حماية المضاربة فلا يمكن أن تكون جزءًا من السياسة العمومية.
ولا يخفى أن هذا الملف أخذ خلال الأسابيع الأخيرة أبعادًا سياسية وانتخابية، وأصبح مادة للتجاذب بين مختلف الأطراف. غير أن اختزال القضية في سجال سياسي قد يحجب جوهر الإشكال، وهو الحاجة إلى مراجعة شاملة لسياسة العقار بالمدينة، بما يضمن الشفافية والإنصاف وربط الاستفادة بالغاية التي خُصصت لها.
ولعل الظرف الحالي يشكل فرصة لإطلاق افتحاص واسع يشمل محيط المطار، ومنطقة “نقطة الأربعين”، ومجال توسعة ميناء الداخلة الأطلسي، وغيرها من المناطق التي شهدت عمليات تفويت أو استفادة خلال السنوات الماضية، بهدف الوقوف على كيفية توزيع العقار، ومدى احترام شروط الاستفادة، والكشف عن حالات المضاربة أو تجميد الأراضي دون استغلال.
وفي الوقت نفسه، يفرض النمو العمراني للداخلة التفكير في آفاق توسع جديدة، من بينها توجيه الامتداد الحضري نحو جماعة العركوب، مع دراسة مشاريع للربط بين ضفتي الخليج، سواء عبر جسر أو وسائل نقل بحرية منتظمة، بما يتيح خلق مجال عمراني جديد قادر على استيعاب التوسع السكاني والاقتصادي للمدينة.
إن المطلوب اليوم ليس الانتصار لطرف على حساب آخر، بل إرساء الوضوح. ويتحقق ذلك بنشر المعطيات الرسمية المتعلقة بمشروع توسعة المطار، وتحديد العقارات المعنية بدقة، وإخضاع جميع ملفات الاستفادة للمراجعة القانونية، وتعويض كل من يثبت حقه وفق القانون، مع التصدي لأي استفادة ثبت أنها تحولت إلى أداة للمضاربة أو تمت بالمخالفة للمقتضيات المنظمة.
عندها فقط سيكون بالإمكان الإجابة بموضوعية عن السؤال الذي يفرض نفسه اليوم: هل نحن أمام إشكال فرضته توسعة مطار الداخلة، أم أن المشروع لم يفعل سوى كشف أزمة عقارية ظلت كامنة لسنوات طويلة؟
تعليقات الزوار