من الداخلة إلى القاهرة والكويت.. ميمونة أميدان تحمل صوت المرأة الصحراوية إلى المعارض العربي
تفتح الكاتبة المغربية ميمونة أميدان صفحة جديدة في مسارها الأدبي، بعدما اختارت أن تعبر بأعمالها من فضاء الداخلة إلى منصات ثقافية عربية كبرى، من خلال مشاركتها المرتقبة في معرض القاهرة الدولي للكتاب، ومعرض الكويت الدولي للكتاب في دورته التاسعة والأربعين، المقرر تنظيمها خلال الفترة الممتدة من 18 إلى 28 نوفمبر 2026، حيث ستلتقي بالقراء لتقديم وتوقيع الطبعات الجديدة من مؤلفيها “همس القوارير” و”أريد أخي حياً”.
ولا تبدو هذه المشاركة مجرد محطة عابرة في مسار الكاتبة، بقدر ما تشكل امتداداً لتجربة أدبية اختارت منذ بدايتها الاقتراب من الإنسان في لحظاته الأكثر هشاشة، والإنصات إلى أصوات نسائية وأسرية كثيراً ما ظلت حبيسة الصمت. فمن خلال الكتابة، تحاول أميدان تحويل ما تعاينه وتلمسه في محيطها الاجتماعي إلى نصوص تفتح باب التأمل في قضايا المرأة والأسرة والعلاقات الإنسانية.
وتنبع خصوصية هذه التجربة من الصلة المباشرة التي تجمع الكاتبة بالواقع الاجتماعي، بحكم اشتغالها في مجال الاستماع والمرافقة القانونية والاجتماعية، فضلاً عن تجربتها ضمن لجنة إصلاح ذات البين بمحكمة الأسرة بالداخلة. وهي تجربة ميدانية منحتها فرصة الاقتراب من حكايات إنسانية متعددة، والوقوف على تفاصيل يومية لا تظهر دائماً في الخطاب العام، لكنها تترك آثاراً عميقة في حياة أصحابها.
ومن هذا الواقع تستمد أميدان جانباً من مادتها الأدبية، إذ تحضر المرأة في أعمالها بوصفها إنسانة تواجه تحديات متعددة، وتبحث عن مساحة للأمان والكرامة والإنصات. كما تحضر الأسرة بما تحمله من روابط ومشاعر وصراعات وصمت، لتتحول التجربة الاجتماعية إلى مادة أدبية تحاول الإمساك بما هو خفي في التفاصيل اليومية.
وكان كتاب “همس القوارير”، الصادر سنة 2019، إحدى المحطات البارزة في هذا المسار، حيث اقتربت من قضايا وتجارب نسائية ذات أبعاد اجتماعية وإنسانية. وبعد سنوات، جاء كتاب “أريد أخي حياً” سنة 2024 ليواصل هذا الخط في الكتابة، من خلال الاقتراب من التجربة الإنسانية والأسرية وما تختزنه من مشاعر وأسئلة مرتبطة بالفقد والتعلق والروابط التي تشد أفراد الأسرة بعضهم إلى بعض.
وسبق أن قدمت ميمونة أميدان مؤلفاتها في عدد من الفعاليات الثقافية بالمغرب، من بينها المعرض الجهوي للكتاب بالداخلة والمعرض الدولي للنشر والكتاب بالدار البيضاء، حيث شكلت حفلات التوقيع واللقاءات الثقافية فرصة للتواصل مع القراء والتعريف بتجربتها الإبداعية.
وتأتي محطة القاهرة والكويت لتمنح هذه التجربة بعداً جديداً، فالكاتب حين يغادر فضاءه المحلي نحو معرض عربي كبير لا يحمل معه كتابه فقط، وإنما يحمل أيضاً جزءاً من ذاكرة المكان وخصوصيته الثقافية والاجتماعية. وفي حالة ميمونة أميدان، يتعلق الأمر بتجربة قادمة من الداخلة، ومن فضاء الصحراء المغربية، بما يحمله هذا المجال من خصوصيات ثقافية وإنسانية قادرة على إثراء المشهد الأدبي المغربي والعربي.
كما يكتسي حضور الكاتبة أهمية من زاوية أخرى، تتمثل في إبراز حضور المرأة الصحراوية المغربية في الحقل الثقافي، والتأكيد على أن الإبداع في الأقاليم الجنوبية لا يقتصر على الأشكال التقليدية للتعبير، وإنما يمتد إلى الكتابة والتأليف والمشاركة في الفعاليات الثقافية الوطنية والعربية.
وقد لقيت تجربة ميمونة أميدان اهتماماً وإشادة من عدد من المثقفين والمبدعين والنقاد، بالنظر إلى طبيعة القضايا التي تطرحها، والتي تجمع بين الحس الأدبي والبعد الاجتماعي والإنساني، وتستند إلى تجربة ميدانية قريبة من الناس وتفاصيل حياتهم.
وتمنح معارض الكتاب العربية، وفي مقدمتها معرض القاهرة الدولي للكتاب ومعرض الكويت الدولي للكتاب، فضاءً مهماً للتفاعل بين الكاتب والقارئ، كما تتيح للأصوات الأدبية القادمة من مختلف البلدان العربية أن تلتقي وتتبادل التجارب. ومن شأن هذه المشاركة أن تفتح أمام مؤلفات أميدان طريقاً نحو قراء جدد، وأن تضع تجربتها في سياق عربي أوسع، خصوصاً أن الموضوعات التي تشتغل عليها تتصل بقضايا إنسانية لا تتوقف عند حدود الجغرافيا.
فالفقر والهشاشة والخلافات الأسرية والفقد والعلاقات الإنسانية ليست قضايا محلية خالصة، بل تجارب مشتركة، وإن اختلفت تفاصيلها من مجتمع إلى آخر. ومن هنا تستمد الكتابة قدرتها على العبور، حين تنطلق من خصوصية المكان لتصل إلى المشترك الإنساني.
وتراهن ميمونة أميدان، من خلال هذه المحطة الجديدة، على مواصلة ترسيخ حضورها الأدبي، وعلى تقديم صورة عن المرأة المغربية الصحراوية بوصفها فاعلاً في المشهد الثقافي، قادراً على الكتابة والتأليف والحضور في الفضاءات العربية.
وبين الداخلة والقاهرة والكويت، تبدو الرحلة الأدبية لميمونة أميدان امتداداً لمسار اختارت فيه الكتابة جسراً بين الواقع والنص، وبين التجربة الشخصية والهم الإنساني العام. رحلة تحمل معها “همس القوارير” و”أريد أخي حياً”، لكنها تحمل أيضاً صوتاً نسائياً مغربياً قادماً من الصحراء، يسعى إلى أن يجد له مكاناً بين أصوات الأدب العربي، وأن يجعل من الكتاب مساحة للبوح والإنصات والتعبير عن الإنسان في ضعفه وقوته، وفي صمته ورغبته في أن يُسمع صوته.
تعليقات الزوار