صوت الصحراء
يبدو أن بعض المنتخبين اكتشفوا أخيراً أن الانتخابات ليست مجرد صناديق وأوراق اقتراع، بل موسم كامل له طقوسه الخاصة، تبدأ بالابتسامة العريضة، وتمر عبر الولائم والزيارات والصدقات، وتنتهي بالدعاء إلى الله أن يوفّق “العبد الفقير” في الحصول على مقعد جديد.
لكن الطريف في الأمر أن هناك من يتعامل مع بعض الأعمال الصالحة وكأنها برنامج انتخابي دوري كل خمس سنوات.
الزكاة؟ مرة كل خمس سنوات!
الصدقة؟ تُستأنف مع اقتراب الانتخابات!
صلة الرحم؟ فجأة تكتشف العائلة أن قريبها المنتخب موجود في هذه الدنيا!
عيادة المريض؟ هاتف المنتخب لا يتوقف عن الرنين في موسم الانتخابات، والمرضى يتحولون إلى قائمة زيارات عاجلة.
أما صلاة الجماعة في المسجد، فتبدو عند البعض وكأنها تدخل ضمن “الحملة الانتخابية الميدانية”، خصوصاً عندما تكثر الصور والمصافحات بعد الصلاة.
ولأن الدين ليس موسماً انتخابياً، فالمفارقة هنا تستحق التوقف.
فالزكاة في الإسلام ليست صدقة انتخابية تُؤدى كل خمس سنوات، وإنما عبادة لها أحكامها ومواقيتها وشروطها. والصدقة باب مفتوح في كل وقت، وصلة الرحم لا ترتبط بموعد الاقتراع، وعيادة المريض عمل إنساني وشرعي لا يحتاج إلى ملصق انتخابي أو مصور يرافق صاحبه.
أما الصلاة، فالمسجد ليس مكتباً انتخابياً، وصفوف المصلين ليست لائحة انتخابية، والسجود لله لا ينبغي أن يتحول إلى محطة من محطات البحث عن الأصوات.
وفي هذا السياق، تتداول أوساط بالصحراء حديثاً عن عائلة اعتادت، بحسب ما يُتداول، على إخراج زكاة بمبالغ ضخمة تصل إلى الملايير سنوياً، حتى إن المبلغ الذي كان منتظراً تخصيصه هذه السنة قيل إنه في حدود 8 ملايير.
غير أن المفارقة، وفق ما يتم تداوله، أن هذه الزكاة جرى توقيفها هذه السنة إلى حين انتهاء الاستحقاقات الانتخابية المقررة في 23 شتنبر.
وإذا صحت هذه المعطيات، فإن السؤال الذي يفرض نفسه، بعيداً عن الأشخاص والأسماء: هل أصبحت الزكاة تنتظر نتائج الانتخابات؟
هل الفقراء والمحتاجون مطالبون هم أيضاً بانتظار إعلان النتائج حتى تصلهم حقوقهم؟
وهل يمكن أن تصبح الزكاة، وهي عبادة لها أحكامها الشرعية، جزءاً من الحسابات الانتخابية أو السياسية؟
المشكلة ليست في أن يكون المنتخب متديناً، أو كريماً، أو محباً لأهله، أو حريصاً على زيارة المرضى، بل المشكلة تبدأ عندما تصبح هذه الأعمال مرتبطة حصراً بالموسم الانتخابي، وكأن صلاح المواطن واهتمام المنتخب به ينتهيان بمجرد إغلاق صناديق الاقتراع.
والأغرب أن بعض الناخبين أنفسهم أصبحوا يعرفون “الموسم” جيداً: قبل الانتخابات بقليل، تصل الاتصالات، وتكثر الزيارات، وتفتح الأبواب المغلقة منذ سنوات، وتعود صلة الرحم إلى الخدمة، وتكتشف بعض الوجوه السياسية فجأة أن لها أقارب لم تلتقِ بهم منذ الانتخابات السابقة!
وبهذه الطريقة يصبح لدينا نوع جديد من “التقويم الانتخابي”:
السنة الأولى: المنتخب مشغول.
السنة الثانية: المنتخب منشغل بالمشاريع.
السنة الثالثة: المنتخب يتابع الملفات.
السنة الرابعة: يبدأ التحضير الهادئ.
السنة الخامسة: فجأة… الجميع أهل وأحباب وأصدقاء وإخوة في الله!
ثم تأتي الزكاة لتدخل هي الأخرى في الحساب:
قبل 23 شتنبر: ننتظر الانتخابات.
بعد 23 شتنبر: ننتظر ماذا ستسفر عنه الصناديق.
وبعدها: ربما تعود الملايير إلى طريقها نحو مستحقيها!
وهنا يبقى السؤال الساخر:
هل نحتاج فعلاً إلى انتخابات كل خمس سنوات حتى يتذكر بعض المنتخبين الزكاة والصدقة وصلة الرحم وعيادة المرضى والمسجد؟
الدين لا يعرف “الموسم الانتخابي”، والرحم لا تنتظر ورقة التصويت، والمريض لا ينبغي أن ينتظر موعد الانتخابات، والفقير لا يحتاج إلى مرشح بقدر حاجته إلى إنسان يمد إليه يد العون بإخلاص.
أما الزكاة تحديداً، فلا ينبغي أن تُعامل كـ”صندوق انتخابي مؤجل”، لأن لها أحكاماً شرعية مستقلة عن الحسابات السياسية ومواعيد الاقتراع.
أما الناخب، فقد يكون أكثر ذكاءً مما يعتقد البعض؛ فهو يستطيع أن يميز بين من يفعل الخير لأنه يؤمن به، ومن يفعل الخير لأنه يريد أن يُصوَّر وهو يفعله.
فالانتخابات خمس سنوات، أما الأخلاق فموسمها… اثنا عشر شهراً في السنة، وكل يوم فيه موعد.