الأعيان يحكمون المشهد… والأحزاب تتنافس على الواجهة

بقلم محمد الحبيب هويدي
يبدو أن الصراع بين التجمع الوطني للأحرار والأصالة والمعاصرة أقرب، في جانب منه، إلى صراع انتخابي وإعلامي مصطنع لاستقطاب الرأي العام والاهتمام، وصرف النقاش عن جوهر العملية الانتخابية: هل نحن أمام رهانات سياسية حقيقية، أم أمام إعادة إنتاج للخريطة نفسها بوجوه وتحالفات مختلفة؟

فلا يكفي أن نعرف من سيحتل الصفوف الأولى؛ السؤال الحقيقي هو: هل ستكون هناك محاسبة؟ هل يمكن أن يحدث تناوب سياسي حقيقي؟ وهل يستطيع الناخب معاقبة من فشل ومكافأة من نجح؟

في المقابل، يبرز بقوة دور الأعيان والفاعلين المحليين الذين أصبحوا في عدد من المناطق عنصرًا حاسمًا في صناعة الخريطة الانتخابية، مستفيدين من المال والنفوذ والعلاقات، ومن امتداداتهم القبلية والعائلية وشبكاتهم الاجتماعية داخل القرى والمداشر والمدن والأحياء الهامشية.

وهنا يصبح النفوذ القبلي والعائلي، إلى جانب المال، أداة انتخابية مؤثرة. فالمرشح لا يحتاج دائمًا إلى مشروع سياسي أو انتماء فكري راسخ؛ يكفي أحيانًا أن يمتلك شبكة من العلاقات والولاءات تجعله قادرًا على تعبئة الأصوات.

وهكذا تصبح علاقة بعض الأعيان بالأحزاب علاقة انتخابية أكثر منها سياسية. الحزب يحتاج إلى الشخص القادر على جلب الأصوات، والشخص يحتاج إلى الحزب باعتباره مظلة للوصول إلى المؤسسة المنتخبة. فيتحول الحزب من مؤسسة لإنتاج النخب والمشاريع إلى إطار لاستيعاب نخب محلية جاهزة.

لكن المسألة لا تتوقف عند المال والنفوذ المباشر. فهناك شكل آخر أكثر تعقيدًا من التأثير الانتخابي يتمثل في استثمار الحاجة الاجتماعية والفقر والهشاشة.

في بعض المناطق، تتزامن المواسم الانتخابية مع تكثيف المساعدات والصدقات والإعانات، بل ويجري توظيف الزكاة، التي يفترض أن تكون عبادة وتكافلًا اجتماعيًا، داخل شبكة من العلاقات والولاءات. وقد تظهر هذه الممارسات بشكل أوضح كلما اقتربت الاستحقاقات الانتخابية، حتى يبدو الأمر وكأن بعض الفقراء ينتظرون موسمًا انتخابيًا لاختيار من يساعدهم، بدل أن يكون المواطن أمام حق ثابت في الخدمات والحماية الاجتماعية.

المشكلة هنا ليست في الزكاة أو الصدقة أو مساعدة الفقراء في حد ذاتها؛ فهي قيم اجتماعية ودينية نبيلة. المشكلة تبدأ عندما تتحول الحاجة الإنسانية إلى أداة لصناعة الولاء السياسي، وعندما يصبح الفقير مطالبًا برد الجميل سياسيًا لمن قدم له مساعدة، بدل أن يحصل على حقوقه كمواطن بصرف النظر عن اختياره الانتخابي.

والأخطر أن هذا النوع من العلاقة قد يمتد لسنوات، فيتحول الدعم الموسمي إلى رصيد انتخابي مؤجل، تُستعاد قيمته مع كل استحقاق انتخابي. وهنا تصبح المساعدة الاجتماعية جزءًا من اقتصاد سياسي للولاء، بدل أن تكون تضامنًا إنسانيًا خالصًا.

وتزداد خطورة هذه الظاهرة في المناطق التي تتداخل فيها الحاجة الاقتصادية مع الروابط القبلية والعائلية. فقد يجد المواطن نفسه أمام منظومة مركبة من الضغوط والولاءات: العائلة، والقبيلة، والقرابة، والوساطة، والحاجة، والمال، ثم الانتماء الحزبي في النهاية.

عندها لا يعود التصويت بالضرورة قرارًا سياسيًا حرًا مبنيًا على البرنامج والحصيلة، بل يصبح في بعض الحالات امتدادًا لشبكة اجتماعية ومصلحية معقدة.

وهكذا يمكن أن يتحول الفقير من مواطن يمتلك صوتًا انتخابيًا إلى رقم داخل شبكة انتخابية، بينما يتحول صاحب النفوذ إلى وسيط بينه وبين الدولة.

وهنا تكمن المفارقة الكبرى: المواطن الذي يفترض أن يكون صاحب السلطة في الانتخابات قد يجد نفسه، بسبب الفقر والحاجة، في موقع من يحتاج إلى صاحب النفوذ.

المشكلة، إذن، ليست في الأعيان وحدهم، وإنما في ضعف الحياة الحزبية والسياسية نفسها. فعندما تضعف الأحزاب وتفقد قدرتها على إنتاج النخب والأفكار، يصبح المال والنفوذ والامتداد القبلي والعائلي أكثر قدرة على ملء الفراغ.

لذلك، فإن المعركة الحقيقية ليست حول من سيحتل المرتبة الأولى، بل حول من يملك مفاتيح صناعة القرار الانتخابي: هل هو الحزب والبرنامج والمواطن، أم المال والنفوذ وشبكات الأعيان والولاءات القبلية والعائلية؟

فقد تتغير الأحزاب والوجوه، لكن إذا بقيت آليات إنتاج النفوذ السياسي على حالها، فإن التغيير سيظل في مستوى الواجهة.

الديمقراطية الحقيقية تبدأ عندما يصبح صوت المواطن أقوى من المال، وأقوى من النفوذ القبلي والعائلي، وأقوى من شبكات الأعيان؛ وعندما يصبح الفقير مواطنًا كامل الحقوق لا ناخبًا مرتبطًا بالحاجة؛ وعندما تصبح الزكاة والصدقة تضامنًا إنسانيًا لا وسيلة لبناء الولاءات؛ وعندما تصبح الانتخابات وسيلة للتغيير والمحاسبة، لا موسمًا لإعادة إنتاج السلطة.

تعليقات الزوار
جاري تحميل التعاليق...

شاهد أيضا

يستخدم هذا الموقع ملفات تعريف الارتباط لتحسين تجربتك. سنفترض أنك موافق على هذا ، ولكن يمكنك إلغاء الاشتراك إذا كنت ترغب في ذلك. موافقالمزيد