الحياة مواقف… والتجارب تصنع الإنسان

بقلم: محمد فاضل حمنة
الحياة ليست طريقًا مستقيمًا نمضي فيه دون أن نتعثر، وليست أيامًا متشابهة تخلو من المفاجآت، بل هي مزيج من المواقف والتجارب؛ فيها شهد النحل وسموم العقارب، وفيها لحظات تمنحنا الأمل، وأخرى تعلمنا الحذر، وأشخاص يتركون في أرواحنا أثرًا جميلًا، وآخرون يتركون خلفهم درسًا لا يُنسى.
في مسيرة الحياة، قد تأتيك الشهامة من غريب لم تربطك به صلة قوية، بينما يأتيك الخذلان من قريب كنت تظنه سندًا لا يميل. وهنا تبدأ بعض الحقائق في الظهور، ونعيد النظر في كثير من العلاقات التي كنا نظن أنها ثابتة لا تتغير.
هناك مواقف لا تمر بنا مرورًا عابرًا، بل توقظ فينا شيئًا كان غافيًا. مواقف قاسية ربما أوجعتنا في بدايتها، لكنها صنعت منا أشخاصًا أكثر وعيًا، وأكثر قدرة على قراءة ما بين السطور، وأقل اندفاعًا في منح الثقة لمن لا يستحقها.
وفي المقابل، هناك علاقات دخلناها بتوقعات كبيرة، ومنحنا أصحابها مساحة واسعة في قلوبنا، لكننا اكتشفنا مع مرور الوقت أن ما توقعناه كان أكبر بكثير مما وجدناه. عندها نتعلم أن العلاقات لا تُقاس بكثرة الكلام، ولا بطول سنوات المعرفة، وإنما بالمواقف التي تظهر حقيقتها عندما نحتاج إلى من يقف إلى جانبنا.
وللحياة دروس لا تأتي في الكتب، ولا تُدرّس في المدارس. إنها دروس المواقف؛ موقف واحد قد يعلمك ما لم تعلمك إياه سنوات طويلة. كلمة في وقتها قد تبني إنسانًا، وتصرف واحد قد يهدم سنوات من الثقة. لذلك يصبح الانتباه ضرورة، ويصبح اختيار من نمنحهم ثقتنا أمرًا لا يحتمل العشوائية.
وقد تصل بنا بعض المواقف إلى مرحلة ندرك فيها أن الابتعاد ليس كراهية، وأن وضع الحدود ليس قسوة، وأن حجز مكانة من كان قريبًا ثم تغير قد يكون أحيانًا ضرورة لحماية النفس والكرامة. فليس مطلوبًا من الإنسان أن يبقى أسيرًا لعلاقة تستنزفه، أو أن يواصل تقديم الأعذار لمن يكرر الإساءة.
إن الكرامة لا تعني أن نرد الإساءة بالإساءة، بل أن نعرف متى نتراجع، ومتى نصمت، ومتى نغادر المكان الذي لم يعد يليق بنا.
ولعل أجمل ما يمكن أن نختصر به هذه التجارب قولنا:
“فمن أكرمك فأكرمه، ومن استهان بك فأكرم نفسك عنه، وأما من اشترى خاطرك ولو بشق تمرة، فاشترِ له الدنيا وما فيها.”
فالأشخاص الذين يجبرون خواطرنا، ويقفون إلى جانبنا في الأوقات الصعبة، ويمنحوننا كلمة طيبة حين تضيق بنا الحياة، يستحقون أن نحفظ لهم مكانتهم في القلب. فالوفاء لا يُقاس بحجم ما نقدمه، وإنما بصدق ما نشعر به تجاه من أحسن إلينا.
وفي نهاية المطاف، تكشف الأيام معادن الناس. بعضهم يكون نعمة، وبعضهم سندًا، وبعضهم درسًا، وبعضهم اختبارًا. وليس كل من ابتعد عنا خسارة، كما أن ليس كل من اقترب منا مكسبًا.
لقد تعلمنا أن نقدر من يقدرنا، وأن نحفظ الود لمن حفظه، وأن نرد الجميل لمن صنع معنا جميلًا، وفي الوقت نفسه أن نعرف كيف نحمي أنفسنا من كل علاقة لم تعد تحمل لنا إلا الخذلان.
فالحياة مواقف، والمواقف تكشف الأشخاص، والتجارب تصنع الإنسان.
وما أجمل أن نخرج من كل تجربة، مهما كانت قاسية، بوعي أكبر، وقلب أكثر حكمة، وكرامة لا تسمح لأحد أن ينتقص منها.

تعليقات الزوار
جاري تحميل التعاليق...

شاهد أيضا

يستخدم هذا الموقع ملفات تعريف الارتباط لتحسين تجربتك. سنفترض أنك موافق على هذا ، ولكن يمكنك إلغاء الاشتراك إذا كنت ترغب في ذلك. موافقالمزيد