الخطاب الملكي يحدد أولويات المرحلة المقبلة: العدالة المجالية وإدماج الشباب وتحديث الشراكة في ملف الهجرة

صوت الصحراء

الملك محمد السادس يدعو إلى تسريع الإصلاحات الترابية والاقتصادية، ويؤكد أن الشراكة مع إسبانيا تحتاج إلى نموذج جديد للتعاون في مجال الهجرة

أكد الملك محمد السادس أن الولاية التشريعية والحكومية الجديدة ينبغي أن تشكل منعطفا حقيقيا في مسار التنمية بالمغرب، بما يعزز مكانة المملكة كقوة اقتصادية صاعدة وموثوقة، ويحقق التوازن بين النمو الاقتصادي والعدالة الاجتماعية والمجالية، مع وضع الشباب في صلب السياسات العمومية وتسريع إصلاحات الجهوية المتقدمة واللاتمركز الإداري.

وجاءت هذه التوجيهات ضمن الخطاب الملكي الذي ألقاه جلالة الملك، اليوم الجمعة، بمناسبة افتتاح الدورة الأولى من السنة التشريعية الأولى للولاية التشريعية الثانية عشرة، بمقر البرلمان في الرباط، بحضور ولي العهد الأمير مولاي الحسن، والأمير مولاي رشيد، والأمير مولاي أحمد.

الهجرة مع إسبانيا.. الحاجة إلى نموذج جديد للشراكة

في محور العلاقات المغربية الإسبانية، أكد الملك محمد السادس أن المقاربة المتوازنة التي اعتمدها المغرب في تدبير ظاهرة الهجرة أفضت إلى نتائج ملموسة، غير أن النموذج الحالي للتعاون في هذا المجال أصبح متجاوزا، وهو ما تعكسه الأزمات المتكررة.

وأوضح جلالة الملك أن الشراكة بين المغرب وإسبانيا شهدت تطورات مهمة في مختلف المجالات، بما فيها محاربة الهجرة غير الشرعية، لكنها لا تزال تواجه تحديات مرتبطة ببعض المقتضيات القانونية والقرارات القضائية التي اعتبرها بعيدة عن الواقع، خاصة فيما يتعلق بترحيل القاصرين والأشخاص الذين ينتحلون صفة اللجوء.

وأشار الخطاب إلى أن هذه الوضعية قد تسهم في تغذية أطماع الشبكات الإجرامية الناشطة في مجال الهجرة، بما يستدعي مراجعة آليات التعاون وتطويرها بما يستجيب للتحولات التي يعرفها هذا الملف.

وفي رسالة واضحة بشأن طبيعة العلاقات مع الشركاء، شدد الملك محمد السادس على أن الشراكة اختيار سياسي والتزام إرادي، وليست مجالا للضغط أو التهديد أو الابتزاز.

كما أعلن عن توجه المغرب إلى تقديم وثيقة استراتيجية واضحة وعملية لشركائه، تروم إرساء مرحلة جديدة من الشراكة، تقوم على التنمية المشتركة وتعزيز التنافسية الاقتصادية.

الشباب في صدارة السياسات العمومية

وفي الشأن الداخلي، دعا الملك إلى جعل قضايا الشباب في صلب السياسات العمومية واهتمامات مؤسسات الحكامة، من خلال تصور متكامل يضمن تكافؤ الفرص، ويشمل تحسين التعليم والتأهيل والإدماج الاقتصادي.

وأكد جلالة الملك أن الرهان لا يقتصر على توفير الفرص، بل يشمل أيضا تعزيز ثقة الشباب في قدراتهم على تحقيق الارتقاء الاجتماعي، وفي مؤسسات وطنهم، وفي إمكانات بناء مستقبل أفضل في ظل الحرية والكرامة والاستقرار.

ويضع هذا التوجه مسؤولية إضافية أمام القطاعات الحكومية والمؤسسات المعنية، من أجل ترجمة التوجيهات إلى برامج ملموسة تستجيب لانتظارات الشباب، خصوصا في مجالات التكوين والتشغيل والمشاركة في الحياة الاقتصادية والاجتماعية.

الجهوية المتقدمة واللاتمركز الإداري.. رهان التنفيذ

وفي ما يتعلق بالتنمية الترابية، أكد الملك محمد السادس أن المرحلة المقبلة تستوجب الانتقال إلى عمل ميداني أكثر نجاعة، يقوم على تشخيص المشاكل الحقيقية لكل منطقة، والبحث عن حلول عملية تستجيب لخصوصياتها وحاجيات ساكنتها.

وشدد على الارتباط الوثيق بين التنمية المندمجة وتحسين الخدمات العمومية وتحفيز الاستثمار المنتج، من جهة، وتفعيل الجهوية المتقدمة واللاتمركز الإداري، من جهة أخرى.

وحذر الخطاب من أن التأخر والاختلالات التي تعترض تنزيل اللامركزية واللاتمركز تنعكس سلبا على البرامج الاقتصادية والاجتماعية، وتحد من قدرة المؤسسات على الاستجابة لانشغالات المواطنين.

وفي هذا السياق، أكد جلالة الملك أنه لم يعد مقبولا استمرار التأخير أو التماطل في التفعيل الكامل لميثاق اللاتمركز، بما يستلزمه ذلك من نقل الصلاحيات والموارد البشرية والمالية الضرورية من المركز إلى الجهات والأقاليم.

كما دعا إلى تجاوز العراقيل التي تحد من أداء مؤسسات الجهة، عبر توضيح الاختصاصات، وتعزيز الموارد البشرية والمادية، وتنظيم العلاقات بين الدولة والجهات، وإرساء آليات فعالة للتنسيق والتعاقد، بما يمكن الجهات من اتخاذ القرارات وتنفيذ المشاريع.

وتكتسي هذه التوجيهات أهمية خاصة بالنسبة إلى الجهات التي تنتظر تحويل اختصاصات الجهوية المتقدمة إلى صلاحيات فعلية وموارد كافية، تتيح لها الاستجابة لحاجيات السكان واستثمار مؤهلاتها الاقتصادية والاجتماعية.

الأمن المائي والطاقي والغذائي ضمن الأولويات

اقتصاديا، دعا الملك محمد السادس إلى تسريع إنجاز المشاريع المبرمجة في مجال البنيات التحتية، وإطلاق جيل جديد من الاستراتيجيات الكبرى، خصوصا في قطاعات الأمن المائي والطاقي والغذائي، والصناعة والاقتصاد الرقمي والذكاء الاصطناعي.

كما شدد على أهمية ترشيد الموارد وتطوير القدرات الوطنية في مجال الاحتياطات الاستراتيجية، وضمان استمرارية توريد المواد الأساسية، في سياق يتطلب تعزيز قدرة الاقتصاد الوطني على مواجهة التقلبات والتحولات الدولية.

وفي السياق ذاته، دعا القطاع الخاص الوطني إلى الاضطلاع بدور استراتيجي في التحول التنموي، من خلال رفع مستوى المبادرة والابتكار، وتعزيز الاستثمار والتصدير، والمساهمة في خلق فرص الشغل.

وتعكس هذه التوجيهات توجها نحو ربط الاستثمار بتحقيق نتائج اقتصادية واجتماعية ملموسة، وعدم الاكتفاء بإطلاق المشاريع، بل الحرص على انعكاسها على التشغيل وتحسين ظروف العيش وتقليص الفوارق المجالية.

الاعتزاز بالمغرب.. مسؤولية قبل أن يكون شعورا

وفي جانب آخر من الخطاب، جدد الملك محمد السادس التعبير عن اعتزازه العميق بانتمائه إلى المغرب، مستحضرا ما سبق أن أكده من المنبر البرلماني سنة 2014، حين اعتبر أن أغلى إحساس لديه في الحياة هو اعتزازه بمغربيته.

وقال جلالة الملك إن هذا الشعور ظل راسخا، بل ازدادت قوته مع مرور السنوات، مؤكدا أن المغرب أمة عريقة، تستند إلى تاريخ طويل ومؤسسات راسخة، وفي مقدمتها المؤسسة الملكية.

كما أبرز حق المغاربة في الاعتزاز بهويتهم الدينية في إطار إمارة المؤمنين، وبهويتهم الحضارية الغنية بتعدد روافدها ومكوناتها، مستحضرا ما حققته المملكة من مكاسب سياسية ودبلوماسية وإنجازات تنموية واقتصادية واجتماعية.

غير أن الخطاب ربط الاعتزاز بالوطن بمفهوم المسؤولية والواجب، معتبرا أن الانتماء الوطني لا ينبغي أن يتحول إلى مجرد تعبير عن الرضا أو التباهي، بل يجب أن يكون حافزا للعمل والعطاء وتحمل المسؤولية.

البرلمان أمام مسؤولية سياسية وأخلاقية

وفي رسالة مباشرة إلى أعضاء المؤسسة التشريعية، وصف الملك محمد السادس الانتداب البرلماني بأنه أمانة والتزام سياسي وتعاقد أخلاقي يربط البرلمانيين بالمواطنين.

ودعا أعضاء مجلس النواب إلى الاضطلاع بمسؤولياتهم الوطنية، والعمل بما تقتضيه الثقة التي منحها لهم الناخبون، مستحضرا مسؤوليتهم أمام الله والمواطنين والتاريخ.

وتأتي هذه الدعوة في بداية ولاية تشريعية جديدة، ينتظر أن تشكل محطة لتنزيل الإصلاحات وتعزيز فعالية العمل المؤسساتي، وربط المسؤولية بالمحاسبة، والاستجابة للانتظارات الاجتماعية والاقتصادية للمواطنين.

مرحلة جديدة عنوانها التنفيذ والنتائج

يحمل الخطاب الملكي، في مجمله، رسائل مترابطة تتجاوز تحديد الأولويات إلى التشديد على ضرورة الانتقال من التوجيهات والاستراتيجيات إلى التنفيذ الفعلي، سواء تعلق الأمر بإدماج الشباب، أو تقوية الاستثمار، أو إصلاح الإدارة، أو تعزيز العدالة المجالية.

كما يبرز أهمية تطوير الشراكات الخارجية على أساس المصالح المشتركة والالتزامات الواضحة، بالتوازي مع تعزيز القدرات الداخلية للمملكة في المجالات الاقتصادية والاجتماعية والاستراتيجية.

وبذلك، تبدو الولاية التشريعية والحكومية الجديدة أمام مجموعة من الرهانات المتداخلة، يتقدمها تسريع التنمية الترابية، وتحسين الخدمات العمومية، وخلق فرص الشغل، وتعزيز الثقة في المؤسسات، بما يجعل أثر السياسات العمومية ملموسا في حياة المواطنين بمختلف جهات المملكة.

تعليقات الزوار
جاري تحميل التعاليق...

شاهد أيضا

يستخدم هذا الموقع ملفات تعريف الارتباط لتحسين تجربتك. سنفترض أنك موافق على هذا ، ولكن يمكنك إلغاء الاشتراك إذا كنت ترغب في ذلك. موافقالمزيد